
المنجرة محلقا فوق الايديولوجيات
منتصر حمادة
13/03/2008
خدمة معرفة كبيرة قدمها الباحث والمترجم عبد الكريم غريب للمتلقي المغربي والعربي، علي هامش صدور كتاب مع المهدي المنجرة .
نحن إزاء مبحث مُبسّط ، من حيث العنوان، ولكن الأمر ليس كذلك من حيث المضمون،
فالكتاب، وهذه ميزته الأساسية، يعتبر زبدة فكر ومشروع وأعمال عالم المستقبليات،
المهدي المنجرة، وجاءت مقدمة إلي المتلقي بشكل مدقق وثاقب.
نحسب أن فكرة الكتاب/المشروع راودت العديد من الباحثين والكتاب والإعلاميين، قبل أن
يأتي الدور علي عبد الكريم غريب، ليحظي بشرف السبق نحو تقديم عمل، يُعتبر، من وجهة
نظرنا علي الأقل، أبرز ما صدر في معرض التعريف بأعمال قلم أصبح مغضوبا عليه من طرف
أغلب إيديولوجيات الساحة المغربية والعربية والإسلامية.
مغضوب عليه من لدن ايديولوجيات مغربية، لأنه يرفض أن توظف أفكاره من طرف ايديولوجية
بهدف ضرب ايديولوجية أخري، ولأنه لا يفرق بين الحزب الفلاني باعتباره حزبا يشتغل في
صف العمل الحكومي، أو حزب آخر، باعتباره من أحزاب المعارضة، ونحسب أن التيارات
الايديولوجية المعارضة التي تتبني ما يصدر عن المنجرة اليوم في الساحة المغربية،
فقط لأنها تشتغل في صف معارضة العمل الحكومي، ستكون أولي ضحايا انتقادات المنجرة،
في حال إمساكها بزمام العمل الحكومي، وهذه ميزة الفكر الذي يقترب أكثر من صف
المصداقية والنزاهة والاستقالة، تلك الميزة الغائبة، للأسف، لدي أغلب ما نطلع عليه
في الساحة المغربية.
مغضوب عليه من طرف ايديولوجيات عربية (قومية وإسلامية حركية أساسا)، لأنه يرفض
الانصياع للانضباط الايديولوجي الذي تفرضه هذه الدكاكين في المجال التداولي العربي
والإسلامي.
نسوق هذا الكلام، إلي أولئك الذين يعتبرون أن تصريحاته واجتهاداته الأخيرة، تحسب
علي الأطروحات العدمية أو الشعبوية !
نسوق هذا الكلام، إلي أولئك الذين يعتبرون أن تصريحاته واجتهاداته الأخيرة، تُحْسَب
علي الأطروحات العدمية أو الشعبوية ، ونعتقد أن الزمن، وفطنة المتلقي المغربي كذلك،
كفيلتان للحسم في الأقلام التي تستحق احترام القارئ المغربي، مصداقا لتلك السنة
الكونية، ومفادها أنه لا يصح إلا الصحيح .
ولكي ندقق عمليا في أحقية تمرير مثل هذه الانتقادات/الاتهامات، يكفي تأمل تلقي
المتتبع المغربي مع كتاب حوار التواصل ، للمنجرة دائما، والذي طُبِعَ منه حتي حدود
تحرير هذه الكلمات، ما يقارب 63000 نسخة، (ولا يتعلق الأمر بكتاب مدرسي..
بالمناسبة) وكان ممكنا جدا أن نضم صوتنا للأصوات النقدية سالفة الذكر، بخصوص هرولة
المنجرة نحو الخطاب العدمي و الشعبوي ، لو كان الخيط الناظم لكتاب حوار التواصل
(نموذجا، حتي لا نقف عند أمثلة أخري)، حافلا بالخطاب الشعبوي، والبعيد عن لغة
الأرقام والمعطيات والإحصاءات والرؤي النقدية الثاقبة.
والحال، أن تأمل عناوين كتاب حوار التواصل ، يسحب البساط عن هذه الانتقادات
المشينة، ونذكر منها، من باب الذكري التي نأمل أن تنفع المؤمنين ، العناوين
التالية: مفتاح التنمية ، مجتمع المعلومات ، الاتصال الثقافي: التحدي المستقبلي
الأساسي ، الحوار وحق الاختلاف ، نقل التكنولوجيا ، مستقبل الدراسات التواصلية ،
(والمبحث، للتذكير مرة أخري، نشر في مجلة فوتوريبل الفرنسية الشهيرة)، الإنترنت
والدول النامية ، المهدي بن عبود الطبيب والفيلسوف المناضل ، نزاعات المستقبل ..
وبَدَهِي، أن مستهلكي الخطاب العدمي و الشعبوي ، أبعد المتلقين عن استيعاب معاني
الحديث عن مستقبل الدراسات التواصلية و الاتصال الثقافي وواقع الإنترنت في الدول
النامية .
ولو تركنا جانبا حسابات أهل الداخل المغربي، وإذا سلمنا جدلا أنه في نهاية المطاف،
لن يصح إلا الصحيح ، فإنه يصعب أن نصنف أعمال المنجرة ضمن التيار العدمي ، إذا
استحضرنا أن جامعات ومعاهد يابانية مرموقة، تبنت أعمال هذا المفكر المستقبلي، اللهم
إن كان تيار من النخبة العلمية اليابانية، محسوب هو أيضا علي التيار العدمي و
الشعبوي ، دون أن نكون علي علم بذلك!
يكفينا فخرا، الاستقبال المشهود التي تحظي به أعمال المنجرة في المجال التداولي
الياباني تحديدا، ومع أننا لا نقدس النموذج الياباني في التنمية والنهضة، ولكنه،
يعتبر برأي المنجرة نفسه، من أبرز النماذج التي اجتهدت كثيرا في التوفيق بين تحقيق
نهضة حضارية، دون أن تفرط في ثوابت الهوية والذات، وبالنظر إلي المكانة العلمية
والتقنية والاقتصادية التي تحظي بها اليابان اليوم، فعلينا أن ندقق كثيرا في دلالة
احتضانها وترجمتها لأعمال المنجرة.
من هنا، تكمن أهمية السبق المعرفي الذي قام به عبد الكريم غريب، فمن جهة، نحن أمام
عمل تجميعي وتركيبي لأهم ما صدر عن المنجرة في العديد من القضايا الفكرية والسياسية
والمجتمعية (المستقبليات، ما بعد الاستعمار، الحرب الحضارية، الحرب السيميائية،
الحوار الحضاري/الثقافي، الذاكرة الموشومة، التغريب والحداثة، العنف والإرهاب،
الانتفاضة، التنمية، الإسلام..)، ومن جهة ثانية، يعتبر العمل تكريما معرفيا رصينا
لأعمال الرجل، في خطوة علمية جادة، من المأمول أن نشهد مثيلا لها مع مفكرين آخرين.
ولعل ما يوجز مقاصد هذا العمل الاحتفالي، ما جاء في تقديم الباحث للكتاب، من أن
إقدامنا كباحثين، نؤمن بالموضوعية العلمية في التحليل، ليس إقداما مشحونا بعاطفة
هوجاء تخفي الاحتفاء للمنطق في تحليل أفكار هذا المفكر الكبير؛ بل هو علي خلاف ذلك،
ترصد لأهم أفكار ومفاهيم التحليل الذي اتبعه الأستاذ المهدي المنجرة، في أهم
مقاربته للأزمة الإنسانية وللظلم والاستبداد الذي أضحي جليا في مختلف الأصعدة
بمجتمعات الجنوب .
لقد صدرت العديد من الحوارات الصحافية، العابرة والتفصيلية مع المهدي المنجرة، بل
إن أغلب مؤلفاته الأخيرة، عبارة عن تجميع لمقالات وحوارات أجريت معه، ولكنه، إلي
غاية صدور مبادرة عبد الكريم غريب، لم نطلع علي عمل تجميعي ودقيق من هذه الطينة،
وهذه كبري حسنات وامتيازات وسبق عبد الكريم غريب.
بقيت إشارة لا بد لنا من تمريرها في خضم التوقف عند آخر إصدارات منشورات عالم
التربية ، فقد صدر هذا العمل أسابيع قليلة قبل التقرير الدولي الذي صنف المنظومة
التعليمية في المغرب ضمن الدرجات الدنيا من حيث الجودة والكفاءة والجدية في الساحة
العربية، وواضح أن احتفاء مشروع علمي يرفع شعار رد الاعتبار للتربية، والترجمة
وإصلاح التعليم، هو أكبر رد عملي/تطبيقي علي التقرير إياه، في صيغة مبادرات تكاد
تكون جمعوية، أكثر منها دولاتية أو مؤسساتية، ولكنها، تجاهد علي قدر المستطاع، في
سبيل تجاوز ترهات الخطاب العدمي والشعبوي، وهذه ميزة جديدة، نضيفها علي مميزات هذا
العمل، الذي يستحق التنويه.
ولعلها مفارقة أن يضم العمل، حوارا مطولا أجرته مجلة عالم التربية مع المنجرة في
صيف 2006، خُصِّصَ لموضوع واحد فقط: التعليم في المغرب، تحت عنوان: المدرسة
المغربية في أفق القرن 21 ، وجاءت حيثياته، بالأرقام والنقد والبديل، كاشفة للعديد
من مكامن الخلل في نظامنا التعليمي، من الحضانة حتي السلك الجامعي، وكان علينا
انتظار تقرير غربي كالعادة، حتي تهرول المعارضة نحو نقد العمل الحكومي (!)، وتقزيم
الحكومة لـ صراخ المعارضة ، ولعلها مفارقة أيضا، أن يصف المنجرة الاختيارات التي
تبناها المسؤولون بخصوص مرحلة التعليم الثانوي (باعتبارها همزة وصل بين التعليمين
الأساسي والجامعي)، بأنها مسألة اختيار ايديولوجي، أكثر مما هي اختيار بيداغوجي .
وبالطبع، هذا تقييم لن يروق كثيراً للايديولوجيات المتصارعة علي مغانم اللعبة
السياسية بين الحكومة والمعارضة، وهنا، نستوعب أهمية المنجرة، كون فكره يسمو علي
حسابات ساس ويسوس ، وعلي التوظيف الايديولوجي، وتصفية الحسابات السياسية، وبين
أيدينا العديد من الأمثلة التي تزكي هذا التقييم، والتي تظهر حقيقة مواقف
ايديولوجيات الساحة المغربية من قراءات المنجرة لأوضاع الساعة، بين حقبة المعارضة
والحكومة.
إنه أكبر من الايديولوجيات.
هذا هو المهدي المنجرة.. لمن لا يعرفه.
كاتب من المغرب