مراجعات : خيانة المثقفين العرب

منتصر حمادة- الرباط

08/08/2006

«العدوان الوحشي الاسرائيلي على لبنان اكد انتهاء الامم المتحدة كمنظمة للامم حقا، ولقد انتهى هذا الدور في حرب الخليج وانتهى بانتخاب او اختيار امين عام مثل بطرس غالي» «لكن المشكلة في هذه المرحلة وهو ما اكده العدوان الاسرائيلي هي المثقف العربي. ان اسرائيل والحكام العرب والغرب مدانون، لكن اين دور المثقفين العرب؟ ولا يستطيع احدا ان يقول انه ليس معنيا بهذه الحرب الحضارية التي تمس قيم وثقافة واقتصاد وتاريخ كل عربي. ان اطفال لبنان الذين سقطوا في ملجأ قانا كاطفال ملجأ العامرية، ضحية الحرب التي يشنها الغرب ممثلا في الولايات المتحدة واسرائيل على العرب، وذلك بموافقة ومباركة دول عربية. وهذا لم يحصل في التاريخ، وهذه هي الخيانة، والمثقف العربي امام كل هذه الاحداث والمصائب، يبقى صامتا».

«المثقفون العرب، مع تحفظي على المفردة، يسود بينهم في هذه المرحلة وباء الارتزاق، وهذا الارتزاق يساهم في دفع العرب نحو المزيد من الانهيار بدلا من المساهمة في الدفاع عن الامة ومصالحها وتعليم ابنائها ومحاربة الامية في صفوفها. واستطيع القول ان اكثر من ثلث من يطلق عليهم «مثقفين عرب» مرتزقة بكل معنى الارتزاق، اي التنازل عن المبادئ والاحلام السامية للحصول على مكاسب مادية شخصية، فنجد تغيير المواقف من اقصى اليسار لاقصى اليمين، ومن الانتماء للفكرة والوطن الى بيع افكاره للاجنبي. والمطلوب الان، ان تحسم الفئة الصامتة او التي تعتبر نفسها غير معنية وان تتحرك وان تعلن عن موقفها، لان الحياد في هذه القضايا خنوع عبر الرقابة الذاتية التي تمارسها على نسفها».

صاحب هذا الكلام ليس كاتب هذه الكلمات- وان كان يؤمن بما جاء فيه بالحرف- وانما عالم المستقبليات المغربي، البروفيسور المهدي المنجرة، او القلم العربي الاشهر والاكثر متابعة في القطر الياباني، والقلم المغربي الوحيد الذي تنافس مبيعات اعماله مبيعات الكتب والمقررات المدرسية.

هذا عن ملاحظة اولى ثانوية الاهمية مقارنة مع ملاحظة ثانية اهم. لم يحرر المهدي المنجرة هذه الكلمات على هامش مستجدات الساحة في لبنان والشرق الاوسط عموما بالصيغة التي نتابعها هذه الايام، وانما بيت القصيد

- صدرت هذه الكلمات في يومية «القدس العربي» اللندنية، في عدد 23/4/1996!! نأتي الان، لبعض دروس تمرير هكذا استشهادات حررت منذ عقد ونيف، ولا زالت بشكل او باخر، صالحة للاسقاط المفاهيمي على الوضع العربي الراهن.

بداية، ليس بالهين ان يصبح المرء عالم مستقبليات ومع ان الغيب لا يعمله الا الخالق عز وجل، الا ان ثمة مؤشرات واسباب قد تخول للباحث او المتتبع «التكهن» ببعض سمات وضع مجتمعي معين بعد مرور فترة زمنية محددة انطلاقا من تفكيك واقع ومآل تلك الاسباب والمؤشرات، وهذا عين ما يميز العديد من اعمال المهدي المنجرة.

لقد تعمدنا التوقف فقط عند نقد الكاتب لدور المثقف العربي، على اعتبار ان المقال سالف الذكر، والصادر تحت عنوان: «غارات اسرائيل على لبنان فضحت المثقفين»، يعرج على نقاط اشكالية اخرى لا تقل قلقا ومشاكسة، من قبيل التوقف مثلا عند الدور التآمري الذي تقوم به جامعة الدول العربية، او الدور الامبريالي الذي يميز اداء الادارة الامريكية، مفضلين التوقف فقط عند محور المثقف العربي.

يشهد الخالق عز وجل اننا استحضرنا العديد من الاسماء العربية، ونحن نتتبع مجريات الساحة في لبنان والعراق وفلسطين، ونخص بالذكر الاقلام العربية المتأمركة، او اقلام «عرب البيت الابيض»، بتعبير الكاتب والاديب الباكستاني طارق علي، تماما كما استحضرنا الاقلام العربية المحسوبة على التيار الليبرالي اياه «من طينة شاكر النابلسي والعفيف الاخضر واللائحة اياها» واقلام اخرى بالطبع.

لم نسمع لهؤلاء ولم نقرأ لهم بخصوص تقييم المشهد الدموي/ الكافكاوي في لبنان والعراق وفلسطين، ولا نتوقع ان يتحدثوا مجددا عن ضرورة تحكيم العقلانية والليبرالية والتسامح والانفتاح والتعايش مع الاخر، في معرض البحث عن «افق مشتركة من الخروج من ازمات الراهن».

كان محقا المنجرة عندما توقف- نموذجا عند وباء الارتزاق، والذي يعني رأيه «التنازل عن المبادئ والاحلام السامية للحصول على مكاسب مادية شخصية، فنجد تغيير المواقف من اقصى اليسار لاقصى اليمين، ومن الانتماء للفكرة والوطن الى بيع افكاره للاجنبي».

ومن ينكر ان العديد من المفكرين والاعلاميين والباحثين العرب ينطبق عليهم هذا الوصف، ولن تكون احدث اصناف الارتزاق، حالة الاعلاميين العرب الذين يشتغلون مع المنابر الاعلامية الامريكية المؤسسة في حقبة ما بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن. والله اعلم