
10/08/2006
منتصر حمادة
العدوان الوحشي الإسرائيلي علي لبنان أكد انتهاء الأمم المتحدة كمنظمة للأمم حقا،
ولقد انتهي هذا الدور في حرب الخليج وانتهي بانتخاب أو اختيار أمين عام مثل بطرس
غالي .. لكن المشكلة الأساسية في هذه المرحلة وهو ما أكده العدوان الإسرائيلي هي
المثقف العربي. إن إسرائيل والحكام العرب والغرب مدانون، لكن أين دور المثقفين
العرب؟ ولا يستطيع أحد أن يقول إنه ليس معنيا بهذه الحرب الحضارية التي تمس قيم
وثقافة واقتصاد وتاريخ كل عربي. إن أطفال لبنان الذين سقطوا في ملجأ قانا كأطفال
ملجأ العامرية، ضحية الحرب التي يشنها الغرب ممثلا في الولايات المتحدة وإسرائيل
علي العرب، وذلك بموافقة ومباركة دول عربية. وهذا لم يحصل في التاريخ، وهذه هي
الخيانة.. والمثقف العربي أمام كل هذه الأحداث والمصائب، يبقي صامتا .
المثقفون العرب، مع تحفظي علي المفردة، يسود بينهم في هذه المرحلة وباء الارتزاق،
وهذا الارتزاق يساهم في دفع العرب نحو المزيد من الانهيار بدلا من المساهمة في
الدفاع عن الأمة ومصالحها وتعليم أبنائها ومحاربة الأمية في صفوفها. وأستطيع القول
إن أكثر من ثلث من يطلق عليهم مثقفين عربا مرتزقة بكل معني الارتزاق، أي التنازل عن
المبادئ والأحلام السامية للحصول علي مكاسب مادية شخصية، فنجد تغيير المواقف من
أقصي اليسار لأقصي اليمين، ومن الانتماء للفكرة والوطن إلي بيع أفكاره للأجنبي..
والمطلوب الآن، أن تحسم الفئة الصامتة ـ أو التي تعتبر نفسها غير معنية ـ وأن تتحرك
وأن تعلن عن موقفها، لأن الحياد في هذه القضايا خنوع عبر الرقابة الذاتية التي
تمارسها علي نسفها .
صاحب هذا الكلام ليس كاتب هذه الكلمات ـ وإن كان يُؤمِن بما جاء فيه بالحرف ـ وإنما
عالم المستقبليات المغربي، البروفيسور المهدي المنجرة، أو القلم العربي الأشهر
والأكثر متابعة في القطر الياباني، والقلم المغربي الوحيد الذي تنافس مبيعات أعماله
مبيعات الكتب والمقررات المدرسية.
هذا عن ملاحظة أولي ثانوية الأهمية مقارنة مع ملاحظة ثانية أهم.
لم يحرر المهدي المنجرة هذه الكلمات علي هامش مستجدات الساحة في لبنان والشرق
الأوسط عموما، بالصيغة التي نتابعها هذه الأيام، وإنما ـ بيت القصيد ـ صدرت هذه
الكلمات في هذا المنبر بالذات (عدد 23/4/2006).
نأتي الآن، لبعض دروس تمرير هكذا استشهادات حُرِّرَت منذ عقد ونيف، وما زالت بشكل
أو بآخر، صالحة للإسقاط المفاهيمي علي الوضع العربي الراهن.
بداية، ليس بالهين أن يصبح المرء عالم مستقبليات، ومع أن الغيب لا يعلمه إلا الخالق
عز وجل، إلا أنه ثمة مؤشرات وأسباب قد تخول للباحث أو المتتبع التكهن ببعض سمات وضع
مجتمعي معين بعد مرور فترة زمنية محددة انطلاقا من تفكيك واقع ومآل تلك الأسباب
والمؤشرات، وهذا عين ما يميز العديد من أعمال المهدي المنجرة.
لقد تعمدنا التوقف فقط عند نقد الكاتب لدور المثقف العربي، علي اعتبار أن المقال
سالف الذكر، والصادر تحت عنوان: غارات إسرائيل علي لبنان فضحت المثقفين ، يعرج علي
نقاط إشكالية أخري لا تقل قلقا ومشاكسة، من قبيل التوقف مثلا عند الدور التآمري
الذي تقوم به جامعة الدول العربية، أو الدور الإمبريالي الذي يميز أداء الإدارة
الأمريكية، مفضلين التوقف فقط عند محور المثقف العربي.
يشهد الخالق عز وجل أننا استحضرنا العديد من الأسماء العربية، ونحن نتتبع مجريات
الساحة في لبنان والعراق وفلسطين، ونخصّ بالذكر الأقلام العربية المتأمركة، أو
أقلام عرب البيت الأبيض ، بتعبير الكاتب والأديب الباكستاني طارق علي، تماما كما
استحضرنا الأقلام العربية المحسوبة علي التيار الليبرالي إياه (من طينة شاكر
النابلسي والعفيف الأخضر واللائحة إياها..)، وأقلام أخري بالطبع.
لم نسمع لهؤلاء ولم نقرأ لهم بخصوص تقييم المشهد الدموي/الكافكاوي في لبنان والعراق
وفلسطين، ولا نتوقع أن يتحدثوا مجددا عن ضرورة تحكيم العقلانية والليبرالية
والتسامح والانفتاح والتعايش مع الآخر، في معرض البحث عن أفق مشتركة من الخروج من
أزمات الراهن .
كان محقا المنجرة عندما توقف ـ نموذجا ـ عند وباء الارتزاق، والذي يعني رأيه
التنازل عن المبادئ والأحلام السامية للحصول علي مكاسب مادية شخصية، فنجد تغيير
المواقف من أقصي اليسار لأقصي اليمين، ومن الانتماء للفكرة والوطن إلي بيع أفكاره
للأجنبي .
ومن ينكر أن العديد من المفكرين والإعلاميين والباحثين العرب ينطبق عليهم هذا
الوصف، ولن تكون أحدث أصناف الارتزاق، حالة الإعلاميين العرب الذين يشتغلون مع
المنابر الإعلامية الأمريكية المؤسسة في حقبة ما بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن!
خذوا المثال التالي: إعلامي مغربي يشتغل جهارا مع منبر إعلامي أمريكي محسوب
ومُمَوَّل من قبل البنتاغون، لا يخجل من تمرير وجهات نظر قومية منددة بالحرب
الصهيونية ضد لبنان، وضد الأمة!
إنه الارتزاق يا جماعة.
كاتب من المغرب