قراءات
في الثلاثاء
الأسود بين
المهدي المنجرة
ونعوم تشومسكي
منتصر حمادة +
كنا نحسب
أن مرور عام
بأكمله على
أحداث
الثلاثاء الأمريكي
الأسود، سيكون
مناسبة أمام الأقلام
المعنية،
الأمريكية
والعربية
بالدرجة الأولى،
من أجل
التدقيق أكثر
في ما يتم
الترويج أو
الدعاية له،
وبالتالي الانعتاق
من رؤى نمطية
في التعامل مع
مثل هذه الأحداث.
لولا أن ما
استجدت به
المنابر
الإعلامية
خلال الأيام
الأخيرة،
وتحديدا بمناسبة
مرور عام على
ما وصفه
الفيلسوف
الفرنسي جان بودريار
ب"الحدث الأم"،
أكد من
قناعتنا
بخصوص عدم
اعتبار
العديد من المتتبعين،
سواء كانوا محسوبين
على المجال
التداولي
العربي
الإسلامي، أو
نظيره الغربي
المسيحي-اليهودي.
ما
يؤسف له بحق،
هو الاصطدام
بإصرار
العديد من
الأقلام
العربية المتأمركة
على تمرير شهادات
حسن السيرة
والسلوك
للآخر، وهي
الشهادات
التي لا يمكن
إلا أن تزكي
مواقف الذل والخنوع
لرعاة نظام ما
بعد 11 أيلول
(سبتمبر)، فقط
بحكم انتماء
أصحابها
للجنس العربي
أو الدين
الإسلامي،
المتهمان
البارزان في الاعتداءات
التي طالت
نيويورك وواشنطن.
والمؤسف
له أيضا إصرار
خزاني أفكار
الإدارة
الأمريكية على
عدم الاعتبار
من دروس
الأحداث،
وعلى ضرورة قراءة
ما حصل بالأمس
وما يجري
اليوم بأعين
موضوعية منصفة
بعيدا عن
العقلية الاختزالية
والحصرية
والإقصائية،
تلك التي
تختزل العالم
في أبيض
وأسود، أو في الوقوف
مع الإدارة
الأمريكية أو
مع الإرهاب.
ما يجمع
بين هؤلاء
وأولئك، ذلك
الاختزال
المريب لأحداث
الساعة في "حرب
صليبية"، أو "صدام
حضارات"، "حرب
دينية"، "صراع
شخصي بين بوش وبن لادن"!!، "صدام
أصوليات"، وحتى
"صدام هويات"،
وغيرها من
الاختزالات البعيدة
عن واقع أكثر
من معقد
ومتشابك،
وأكبر من أن يختزل
في مثل هذه التنميطات
غير السوية
البتة.
يهمنا في
هذا
المقام
الاستشهاد
بما حررته بعض
الأقلام
المنصفة، ممن
رفضت
الانصياع
لعقيلة
التنميط
والاختزال،
وارتأت
بالتالي التعامل
مع الأحداث
برؤى نقدية ثاقبة
تعبر بحق عن
عمق في
التحليل ودقة
في التقييم
قلما نصطدم
بها لدى
السواد
الأعظم مما يصدر
عن "أقلام
الطلب".
يتعلق
الأمر بعالم
المستقبليات
المغربي
البروفيسور
المهدي المنجرة،
بصفته قلما
محسوبا على
الرقعة
العربية،
وعالم
اللسانيات الشهير
المفكر
الأمريكي
نعوم تشومسكي،
بصفته قلما
محسوبا على
الرقعة
الأمريكية،
بحسب آخر ما صدر
عن هذين
المعلمتين الفكريتين.(من
خلال حوار مع
أسبوعية "الصحيفة"
المغربية،
عدد 12-18/9/2002،
بالنسبة للمهدي
المنجرة،
ومقال رأي
لنعوم تشومسكي
في يومية "لوموند"
الفرنسية، عدد
11/9/2002).
+++
تشومسكي
أو دحض "الحقد"
العربي
لأمريكا
تقف
أحداث 11 أيلول
(سبتمبر) حسب
نعوم تشومسكي
وراء الدفع
بالعديد من
الأمريكيين
لأن ينتبهوا
بحدة أكبر
لطبيعة
التعاطي
الأمريكي مع
العالم بأسره.
وبتعبير
تهكمي ساخر معروف
في طبيعة
أسلوب تحرير هذا
العالم الفذ،
نجده بربط
بصفة عضوية
بين استفسار الرئيس
الأمريكي
جورج بوش
الابن عن
أسباب "كره
العالم
للحريات الأمريكية"،
(وبالتالي
الطمأنينة
التي تخلفها
هذه المسائلة
الرسمية على
الرأي العام
الأمريكي)،
وبين لا
عقلانية
فرملة
التساؤل عن
تبعات الجهل
بحقائق
العالم.
من
الطريف بحق
ألا يكون
الرئيس
الأمريكي
الحالي أول من
يطرح هذا
الاستفسار،
فقد سبق لدويت
إيزنهاور أن
تسائل منذ 44
سنة عن أسباب
الحقد العربي
اتجاه
الأمريكيين، ويقصد
بالتحديد حقد
الشعوب
العربية وليس
الأنظمة الحاكمة.
يطالب
تشومسكي
بضرورة
التفريق بين "الحقد
على
الأمريكيين" والحقد
على "الحريات الأمريكية"
بالصيغة التي
تروج لها
وسائل
الإعلام
الأمريكية
المقربة
بالطبع للبيت
الأبيض، أو
بتعبيره
الجامع
المانع، "علينا
أن نفرق بين
شعوب –عربية نموذجا-
تحب
الأمريكيين
وتحترم
أسلوبهم في
العيش، وبطبيعة
الحال مميزات
النظام الأمريكي،
وفي مقدمتها
منظومة
الحريات
المدنية،
وبين نفس
الشعوب،
ولكنها حاقدة على السياسية
الرسمية التي
تتبناها
الإدارة
الأمريكية".
نأتي لمصطلح
الساعة، أي "الإرهاب"،
مادام الحديث
عن أحداث
الثلاثاء
الأسود أصبح مقرونا
بصيغة أو
بأخرى
بالحديث عن
الإرهاب
والعنف والأصولية
الدينية
وغيرها من المصطلحات
المبهمة إن لم
نقل المضللة.
يلح
صاحب "ردع
الديمقراطية"،
على أن العديد
من دول العالم
تنظر بالأمس واليوم
للممارسات
الأمريكية الرسمية
اتجاهها على
أساس أنها
ممارسات
إرهابية بحسب المعايير
التي تتبناها
واشنطن في وصم
هذه الدول
بالإرهابية
أو لا.
فالولايات المتحدة
الأمريكية
قامت خلال
العقود
الأخيرة، أو
ساهمت في
القيام
بأعمال
إرهابية، ويكفي
استحضار ما تم
في كولومبيا،
نيكاراغوا،
باناما، السودان
أو تركيا، على
سبيل المثال
لا الحصر، بل
ويستشهد
الكاتب بما
حرره يوما هنتنغتون
مؤدلج "صدام
الحضارات"،
في فصلية "الفورين
أفيرز" القريبة
من الدوائر
الرسمية، من
أنه "في الوقت
الذي تندد فيه
الولايات
المتحدة
الأمريكية ب"الدول
المارقة"،
نجدها تجسد بالنسبة
للعديد من
أقطار
المعمور قوى
عظمى مارقة".
نبقى
مع حملة الحقد
والكراهية
العربية
الشعبية ضد الإدارة
الأمريكية،
والتي تتغذى
بحسب المفكر
الأكثر شهرة
في القطر
الأمريكي
بطبيعة السياسة
الأمريكية
اتجاه
إسرائيل وفلسطين،
بحكم
المساندة
المصيرية
التي تحظى بها
الآلة العسكرية
الإسرائيلية
من قبل الأمريكيين
طيلة فترة
الاحتلال
ولمدة تصل إلى
35 سنة.
الحد
من التهديدات
الموجهة ضد
أمريكا،
وبالتالي
التخفيف من
حدة الحقد
والكراهية اتجاه
الإدارة
الأمريكية،
يبقى رهينا
بمراجعة
السياسات الأمريكية
التي لا يمكن
إلا أن تخدم
مصالح الأصوليين
المتشددين،
الذين يتمنون
بالطبع أن تشن
واشنطن الحرب
ضد العراق،
وأن تسقط
المزيد من
الأرواح، من
منطلق أنها
تشرعن بزوغ
عمليات
إرهابية
مضادة.
+++ المنجرة
أو شيوع "عقيدة
الخوف"
إشارة
لطيفة وقيمة
قدمت في حديث
المهدي المنجرة،
تستحق وقفة
تأمل، وتتعلق
بتقديس تاريخ 11
أيلول
(سبتمبر)، حيث
ندد بالهيمنة
الإعلامية الجديدة
على العالم،
تلك التي تجعل
العالم
بمجمله يدور
فقط حول هذا التاريخ،
فإذا كان
الإعلام
الأمريكي قد
أدخل هذا اليوم
في عقول
الناس،
فلماذا لا نتحدث
بنفس التحقيب
والتذكير عما
وقع في الفيتنام
وأفغانستان
وغيرهما".
تبقى
"عقيدة
الخوف" أهم
دروس أحداث
الثلاثاء
الأسود حسب المنجرة،
سواء فيما تعلق
بالبيت
الأمريكي
الرسمي أو
بالشارع
الأمريكي
عموما.
ففي
البلدان
المحسوبة عل
العالم
الثالث وبتعاون
وطيد مع
الأجهزة
الأمريكية، نرى
الأنظمة
تتصرف على
إيقاع الخوف
من
الإسلاميين
والإرهابيين،
وبذلك أصبح
الخوف والتخويف
طريقة
للسيطرة على
العالم، على
المستوى القطري،
ولكن أيضا على
المستوى العالمي،
ولهذا السبب
بالذات أصبحت
أمريكا ترتكب انزلاقات
تندد بها
العديد من الأقلام
الغربية. فمع
الحرب
الأخيرة، وهي
بالمناسبة حرب
مفتوحة على
جميع الاحتمالات،
بدليل
التهديدات
الأمريكية ضد
العراق وما بعد
العراق، نجد
أمريكا تستعمل
وسائل فاشية
للتحكم، حيث
لا يصبح هناك
مجال للحق
والقانون، وآخر
الأمثلة على ذلك
ما تم في "قمة
الأرض" بجوهانسبورغ،
حيث تفرض دولة
واحدة على
العالم ما
تريد، (وهو
نفس ما حصل في
مؤتمر دوربان
حول العنصرية بتواطؤ
مكشوف مع
الكيان الصهيوني).
بالنسبة لعقيدة
الخوف التي
عصفت ولا تزال
بالمواطن
الأمريكي،
فإن الأكيد أن
ما تزعزع لدى
هذا المواطن
هو ذلك التصور
الذي كان لديه
اتجاه بلده.
لأن ما تحطم
ليس
البنايتان التوأمتان
في نيويورك
فقط، بل اهتزت
الثقة في
النفس،
وبالرجوع إلى
سنوات قليلة خلت،
نجد أن ما
بنته أمريكا
من منجزات
يعود إلى اعتقاد
المواطن
الأمريكي كون
بلاده هي
الأولى ولا
توجد أية قوة
أخرى تستطيع
منافستها.
التساؤل
الأساسي لدى
المواطن الأمريكي
الآن هو: من
يكون؟
زعزعة
الثقة في
النفس إذن
تبقى من أهم التبعات
المسكوت
عنها في خضم
استخلاص دروس
أحداث الثلاثاء
الأسود. وما
هو مسكوت
عنه أيضا، أن
ذهاب الثقة في
النفس يجلب
معه صعود أسهم
الهاجس
الأمني، وهو
ما أشار إليه
بدقة المنجرة،
ويزكيه ما هو
قائم اليوم في
الديار
الأمريكية.
وإذا أمعنا في
التشبيه، فإن
الوضع الأمريكي
شبيه بإنسان
لم يعد يهمه
سوى بقائه
البيولوجي،
فلا تبقى له
القدرة على
التفرغ
لأشياء أخرى. لم يبق في أمريكا
سوى الوسائل
العسكرية
التي تمكنها
من الإجهاز
فوق الكرة
الأرضية أكثر
من 30 مرة
بالقنابل
الذرية. وهذا
أمر طبيعي،
عندما يصبح
زرع الرعب في
الآخرين عقيدة
كل من يشكو من
الخوف ويملك
وسائل
التخويف أو
الردع، وهو ما
يقع الآن مع
ممارسات الأمريكيين،
مما يشكا خطرا
على مستقبل
البشرية وعلى
الحضارة
والثقافة
الإنسانية.
نقطة
أخيرة هامة،
تطرق إليها
عالم
المستقبليات،
تتقاطع إلى حد
كبير مع ما
ذهب إليه تشومسكي،
وتتعلق بطبيعة
التعاطي
الأمريكي مع
العالم، حيث
كشفت الاعتداءات
الأخيرة للشعب
الأمريكي أن
التحكم في
مجريات أمور
المعمور لا
تمر بالضرورة
عبر ما تسطر
له واشنطن،
لسبب بسيط جدا
تتعمد
الإدارة
الأمريكية
تجاهله، وهو
أن العالم
أكبر من رعاة
نظام العالم،
لا أقل ولا
أكثر.
دروس
عديدة إذن تلك
التي كان من
المفروض أن
نستخلصها جميعا
من أحداث 11
أيلول
(سبتمبر) 2001،
اقتصرنا في
هذا المقال
على الترحال
مع بعض الدروس
التي تهم أكثر
أمريكا، الرسمية
بالدرجة
الأولى، فهي
تعلم علم
اليقين أنها تنهج
مسارا خاطئا،
من خلال تبني سياسات
الاختزال
والعنف، أفرزت
بدورها سياسات
الصدام
والعنف و...الإرهاب.
++++++++++++++++++++++++++++
+ كاتب
مغربي
نشر المقال في
يومية "أخبار
العرب"
الإماراتية،
عدد 2002/9/21