v

 

الدكتور المهدي المنجرة لـ"الحروف":

عنوان كتابي المقبل : "انتفاضات"

 

 

 

 

      وجدناه في انتظارنا جالسا جنب المسبح في حديقة فندق وليلي، أمامه على الطاولة حزمة صحف تركض فيها عيناه ، موليا وجهه شطر الشمس ، كأنها الحقيقة تجلت له ، وكأنه  منزلها تأوي إليه ..رجل حلو المعشر ،جم التواضع ،يأخذك البعد الإنساني فيه، وترتفع الكلفة بينه وبينك لأول وهلة،.تسحرك قدرته الفائقة على التواصل بسهولة ويسر ، يشعرك بالقوة  والقدرة على التحدي ، فيبدو مثالا للمثقف المحلق في سماء الحرية، لا تأسره الأقفاص ، ولا يحط إلا ليعاود الطيران .فطرنا معه من خلال هذا الحوار

 

الحروف:

سبق لكم أن صنفتم السيناريوهات المستقبلية لمصير العالم الثالث عموما والعالم العربي خصوصا إلى ثلاثة :

       سيناريو الثبات

       سيناريو الإصلاح

       سيناريو القطيعة

. كما بينتم أن تطور العالم الثالث قد يتخذ شكل الحركة الصاعدة من السيناريو الأول إلى السيناريو الأخير. أين يقع المغرب في هذا السياق؟

 وماذا عن آفاقه خلال السنوات العشر القادمة ؟

المهدي المنجرة:

أولا:  أريد أن أهنئ المسؤولين الصحفيين في هذه الجريدة الفتية .إن ظهور جريدة أو مجلة في أي بلاد هو ازدياد في كمية الأوكسجين في عالم الحرية .افضل تزايد عدد الصحف عوض تزايد عدد الأحزاب السياسية . أرجع إلى سؤالك , قلت هذا الكلام عن المشاهد الثلاثة  في بداية الثمانينات، والمعروف في الدراسات المستقبلية أن الأشياء التي كنا نتوقع حدوثها في المستقبل تأتي بأسرع مما كنا ننتظر،  فما كنا نتوقع حصوله في سنة 95 حصل في بداية التسعينات . بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وانطلاق ما سميته بالحرب الحضارية ، انتهى مشهد الاستقرار والتوازن في العلاقات الدولية وضمانات وجود بعض الأنظمة في العالم الثالث . والمغرب جزء لا يتجزأ من إشكالية ما يسمى بالعالم الثالث؛ وخرافة المغرب كشيء خاص خارج على إشكالية باقي العالم لا وجود لها إلا في الخطاب الرسمي , إذ أن المغرب جزء لا يتجزأ من إشكالية العالم الثالث, ومن إشكالية أفريقيا , ومن إشكالية العالم العربي, ومن إشكالية العالم المسلم .

ما هو وزن بلاد عدد سكانها 30 مليون نسمة ،لا يصل  مدخولها القومي حتى إلى مدخول واحدة من الشركات المائة الأولى في العالم؟ المغرب مثل البقية , لا اختيار له. انتهى فيما يخصه مشهد الاستقرار والثبات.. انتهى , يبقى تساؤل بسيط : هل ما زال مشهد الإصلاح ممكنا ؟ في رأيي: لا,  وإن كانت هناك إمكانيات ضئيلة  من أجل استدراك الأشياء بالإصلاح ، ولكن ليس الإصلاح الشكلي ,( بتغيير المناصب) , بل الإصلاح الجذري الذي يجب أن يمس الأساس , وهو دستور البلاد . فالدستور الحالي غير صالح لأي تغيير والتغيير هنا بمفهوم القرن الواحد والعشرين . إذا كانت السلطة للشعب فينبغي أن يكون الدستور محررا من قبل هذا الشعب لا ممنوحا له . في فجر الاستقلال لم يكن الوقت كافيا من الناحية التربوية والسياسية لتهيئ دستور حقيقي . كل حقوق المواطن المغربي مرتبطة بالسؤال: من أين تأتي السلطة ؟ يجب أن ترجع السلطة للشعب ، أن يكون له الحق في التصرف فيها وفي السيادة , هذه  من الأسباب التي تمكن من استدراك  جزء بسيط من الإصلاح. هذا في مصلحة الجميع، في مصلحة بقاء المؤسسات التي لها قرون في هذه البلاد.

الحروف : كيف؟

المهدي المنجرة :

إن التاريخ يتغير والأمور تتغير، ولا يمكن أن نعيش في القرن 21 بملكية كالتي كانت من قبل . هذا رأيناه في بلجيكا، رأيناه في إسبانيا  و لما حصلت التغييرات في التركيب العقلاني ترسخت فكرة الملكية و صارت العلاقات بين الشعب ورئيس الدولة أقوى وأمتن. أقول هذا الكلام بصراحة , ولا ينبغي أن يفهم خطأ . وأظن أن من يريدون نهاية تلك المؤسسات هم الذين يقبلون الأشياء كما هي , ويزكونها لكي يؤدوا بها إلى شيء آخر ليس هو المقصود . لماذا نخشى الحديث عن السيادة وعن السلطة ؟ لماذا نخشى القول : هذا الدستور ربما كان صالحا لفترة سابقة ، وهو الذي أدى إلى الرشوة وإلى برلمان لا يمثل الشعب ؟ كيف يمكن أن تتقدم وتصلح بمؤسسات لا تمثل الشعب وتعطي حكومات لا تمثل الشعب ؟ (ولست شعبويا populiste) . لننطلق من فكرة بسيطة في الشريعة الإسلامية : في كل تحليل المهم هو ما هي العين ؟ من أين تأتي الأشياء؟ ما هي مشروعيتها؟ ما هو أساسها؟ ما هي مصداقيتها؟ وما نسبة المشاورة فيها؟ وننتقل بعد ذلك من العين إلى المقاصد, نذهب إلى أين؟ وقرار" نذهب إلى أين؟" ليس قرار شخص أو حكومة أو أي كان , هذا قرار جماعي ويجب أن يكون متخذا من طرف شعوب أو ممثلي هذه الشعوب شرط أن يكونوا ممثلين حقيقيين ، أن يكون إجماع على هذه الطريقة .هذا المشهد الإصلاحي غير كاف بطبيعة الحال . تبقى القطيعة، نحن لا نتمنى الوصول إليها ، ولكن إذا تأخرنا في إدخال الإصلاحات الجذرية، علينا أن نتوقع مجيء التغيير بطريقة أخرى. فكل تأخير سيزيد الطين بلة، كما لو كان لديك سلف في البنك وفوائد تتراكم. المشاهد التي حللتها في بداية الثمانينات كانت في مناخ دولي تعددي يختلف عن المناخ الحالي،  وكان الاتحاد السوفيتي وأمريكا يحمي أحدهما من الآخر وفرنسا وإنجلترا كذلك,. والآن أصبحت هيمنة حقيقية ، لم يبق استقلال حقيقي لأية دولة من دول العالم الثالث إلا بعض الدول الكبرى التي يتجاوز عدد سكانها 200 مليون نسمة، ولها إمكانيات اقتصادية وقنبلة ذرية  كالهند والصين . صرنا أمام نوع ثان من المستعمرات جديد، ندرك صعوبة الأمر إذا وضعنا هذا على شكل معادلة: إن أول ما ينبغي أن تفعله أمام قوة معادية جبارة هو أن تزيد من قوتك الداخلية : إذا ألم بك زكام تبدأ بفيتامين c ليس لأنه دواء ,  بل لأنه يعطي لجسدك القدرة على مواجهة فيروس الزكام . في ظروف كهذه تحتاج أن يكون الأساس صحيحا , مبنيا على مشروعية صحيحة، على إجماع صحيح، على رؤية موحدة تتفق على المقصد. هل نحن ذاهبون إلى المريخ أم إلى القمر؟أما كيف نصل إلى هناك ؟ فيكاد يكون ثانويا ، هناك من يختار الطائرة ومن يختار الصاروخ ومن يختار المشي على القدمين. المهم الاتفاق على الغاية . قلت ذلك في الثمانينات.. تغيرت عدة أشياء لكن الإشكالية لم تتغير. الإشكالية هي أن هناك عناصر في العلاقات الدولية تربطها علاقات تأثير وتأثر. و مع أن وسائل المعرفة والاتصال تطورت،فقد ظلت الإشكالية  هي نفسها: ما هو مفهوم الديموقراطية؟ ما هو مفهوم التواصل ؟ ما هو مفهوم المندوب في البرلمان؟ ما هو مفهوم الحرية؟ هذه أشياء تتغير. وعلى الإنسان أن يتكيف  معها بكيفية عضوية وليس بالكلام الفارغ والخطب ونحن دائما نتكلم عن الانتخابات وتهيئ الانتخابات والبرلمان القديم والجديد. هذه مصالح شخصية لأشخاص يستغلونها إما لأغراض سياسية أو للرشوة أو لأشياء أخرى , لكن إذا كان المصدر صحيحا وقويا تتقوى باقي المؤسسات وإذا كان عضو واحد ضعيفا كالدستور مثلا فالبقية كلها في خطر.

الحروف:

كلما تكلم المثقف عن الدين ...

المنجرة: )مقاطعا)

_ اسمح لي أن أقاطعك ، أنا لا أعرف ما هو الدين ، أنا مسلم أعرف المجتمع الإسلامي كما جاء في القرآن والسنة ، أعرف فلسفة ، رؤية تاريخية واجتماعية . إذا كنت تعني بالدين كلمة religion فألق السؤال على المسيحيين واليهود. مسألة الدين عند المسلم شأن داخلي ، أما الرؤية المسلمة للمجتمع فآتية من القرآن والسنة . خارج هذا ليس البلد مسلما، ولينعتوني بما شاءوا؛. العقيدة تهم كل واحد وكذلك تطبيقها وعلى المجتمع والدولة أن يضمنا للفرد الحرية في التعامل معها. أنا أتكلم عن المنظوم وعن النموذج ، لا يمكن أن نبني في أي بلاد مسلمة نموذجا من القرن 18 أو  19 الغربيين ، أو بالرجوع إلى مونتسكيو أو رو سو أو الثورة الفرنسية، ذلك صالح لبلادهم (الغرب). علينا أن نبتكر، فقد بدأت الحركة السلفية ولم تنته , توقفت في الطريق ورجعنا للوراء بقرون ؛ فلا ينبغي أن نلقي بالمسؤولية على الدين والقرآن . لقد جاء الإقطاع مع الاستعمار وهو الذي سهل عليه عمله ولا زال موجودا ،عفوا إذا قاطعتك ولكنني لا أفهم ما هو الدين.

الحروف:

-         الإسلام في الدستور دين الدولة، والنص الشرعي لازال ينظم بعض المناحي الاجتماعية كالأحوال الشخصية مثلا، والقضاء متفرع عن مؤسسة أمير المؤمنين . في نفس الوقت يكتسح القانون الوضعي مجال المعاملات ، ألا ترون أن  هذه الازدواجية تخلق لدينا نوعا من التمزق .

المهدي المنجرة:

نحن نعيش في دولة مسلمة  تنطلق من عناصر أتت بهذا الدين الذي ليس باب التعامل معه  والاجتهاد فيه مسدودا. فلا قداسة إلا لله و للقرآن. وخارج أركان واضحة ومضبوطة  (الشهادة ,الصلاة,الصيام...) تبقى لكل شيء آخر إمكانية في التفسير والتطور إذا كانت  هناك ديموقراطية حقيقية .

لقد أوصد الإجماع باب الاجتهاد في العالم المسلم في بداية القرن الماضي .وأهم ما في الإجماع آليته.

 إنها آلية شورى و ديموقراطية هي : هل أنت مستعد قبل أن يكون إجماع على الموافقة مع الجميع ؟ إن معنى الاجتهاد

 والإجماع كان كامنا في الآلية التي تعطي الكلمة للناس, لأن السؤال هو: ما هي مصلحة المجتمع كما يقررها شعب معين؟ أما القول إن الدين والقرآن عرقلة فلا. المعرقلون هم أولئك الذين يستغلون هذه الكلمات لأغراض أخرى ؛ إن عنصر القوة في الإسلام كامن في جمعه شتات الأمة . هذه الأمة هي  التي تحارب، عندما أقول أمة فلست فقيها ولا شيخا ولا رئيس أية جماعة أو تيار سياسي .أظن أن هناك أساسا للإجماع و إذا أردت أن تتطور، يجب أن تنطلق من هذا الإجماع الموجود شريطة أن يكون إجماعا لا أن يأتي شيخ جاهل ويتحدث عن الدين والقرآن ، المشكل ليس في الإسلام ، المشكل أن المسلمين ليسوا في مستواه الحضاري .أما القضايا الشرعية (الحق في الإرث، في الزواج) فهي أشياء تأتي من بعد حسب التطورات لأن في الإسلام إمكانيات واسعة للتغيير مادام يحتفظ بأركانه الأساسية  . والجهل أتى من الاستعمار والحكام الذين استغلوا الدين لأغراض أخرى. فإذا أتيت واستعملت آلة لغرض غير الذي صنعت له فليس لك أن تقول هذه الآلة غير صالحة فغير الصالح هو استعمالها في غير محلها . تكمن  قوة اليهود الآن في تمسكهم بالهوية ، فهم جميعا وإن كان فيهم العلمانيون والملحدون وفيهم وفيهم ... يعترفون بشيء اسمه الهوية اليهودية وبأن مرجعها هو التوراة سواء آمنوا أم لم يؤمنوا ولا يمكن أن يتخلوا عنها. إذا تخلوا عنها انتهوا كشعب؛ هذا هو الفرق الذي يجب أن ننتبه  إليه .العقيدة شأن داخلي ،لا يحق لأحد أن يقول لك أنت مسلم أو غير مسلم فلا وساطة في الإسلام . إذا ذهبت إلى بعض المجتمعات التي ترقت مثلما نجد في جنوب شرق آسيا في ماليزيا وبعض الدول الأخرى ترى بلدانا انخفضت فيها نسبة الأمية إلى 10أو 15% ونما فيها البحث العلمي، تجد تعاملا آخر مع الدين. هناك جهل في العالم العربي الإسلامي، الأمية تصل إلى 55% وإن لم تكن الأمية هي الجهل فإنها عدم التمكن من أن تتصرف بنفسك في دينك وفي كتابك بالأساس.  المشكل هو هل لنا مجتمع مبني على عدالة اجتماعية، ليس في توزيع الأموال فقط؛ فالرأسمال الحقيقي اليوم هو المعرفة. كيف سنوزع المعرفة ؟. العدالة الاجتماعية شيء أساسي في القرآن, يجب تحرير المسلم ليجتهد في دينه ويتصرف فيه في حدود ما يسمح به القرآن. على المسلم أن يكون مسلما وأن لا يفوض السلطة المطلقة لأحد إلا باختياره وبمسطرة معروفة  مبنية على الإجماع والمشاركة أو ما نسميه الشورى. والإسلام أقرب في هذا إلى الطريقة الأنجلوساكسونية  منه إلى الطريقة الفرنسية . فالشريعة الإسلامية نظام مفتوح, نحن ورثنا عن كل دولة أسوأ ما فيها: ورثنا عن الفرنسيين أهمية النص المكتوب وخصوصا المركب العقلاني لنابليون الذي خطط لكل شيء ( في الثالثة والربع من كل خميس على الأطفال في الطبقة الثانية أن يقرءوا الصفحة الآتية في كتاب الجغرافيا ). النصوص, النصوص, النصوص ،والله أحيانا ..أتساءل اللصوص ؟ فالنظام القانوني الأنكلوساكسوني commun Law (العرف) هو تماما ما يوجد عندنا  . إذا نجح حل ما في مسألة ما يصير عرفا لأنه أعطى ثوابت كما لو جربت شيئا في المختبر ونجحت التجربة( يجري بها العمل) .إذا فكرت في إصلاح من نوع ما، فأنا أجرب من الأشياء ما يصلح ، لا أبقى مرتبطا بها وأقول : الفقرة 73 من ظهير 37 قالت وقالت وأبقى مسجونا فيها. ورثنا عن الفرنسيين هذا المفهوم الذي يشكل نوعا من الديماغوجية الشرعية التي هي أقوى أنواع الديماغوجيات, فالديماغوجية السياسية واضحة : إذا قال لك أحد سأعطيكم البلاد والدراسة , فإنه يفتضح بسرعة ؛ أما الديماغوجية الشرعية : (بناء على الفصل 33 من الظهير كذا الذي صدر عام 1954 وبناء علىالمرسوم التطبيقي كذا  المنشور بالجريدة الرسمية كذا والمعدل بالمرسوم المعدل بالمرسوم رقم كذا )؛ عنكبوت مبنية على عنكبوت حتى لتنسى الغاية من هذا القانون، تنسى أن أمامك شخصا قتل وسرق يجب الدفاع عنه , هل له حق؟ هل ستحصل زوجته على تعويض؟ فبقال لك: لا إن ذلك النص الذي يرجع إلى سنة 1976 قد تغير بنص 1989 فقد صدر مرسوم تطبيقي...

-         الحروف:

       إن تاريخ المغرب المعاصر بات محتاجا إلى أركيولوجيا لفك ألغازه . هل يمكن أن نبني مستقبلا دون أن نكشف أوراق هذا التاريخ ؟

       المهدي المنجرة:

       طبعا لا , أهم ما نهتم به في الدراسات المستقبلية هو نقطة الانطلاق قبل تحليل الوضع الراهن . وبناء على نقطة الانطلاق والوضع الراهن نتوقع ونستشرف ما يمكن أن يأتي . المؤلم في حالة المغرب أن جزءا نادرا من تاريخنا المعاصر مكتوب من طرف المغاربة . فالمرجع قي التاريخ المعاصر و تاريخ ما بعد الحماية على الخصوص في القرن الأخير, مرجع فرنسي ، إنجليزي ، هناك مراجع كلاسيكية مثل كتاب الاستقصاء .هناك مراجع معاصرة   لمؤرخين مغاربة محترمين ولهم كفاية  ويشكر لهم كل ما عملوا.

       غير أننا لم نجد تاريخنا تاريخنا ، هناك تاريخ استعماري ، وحتى لو لم يكن استعماريا , فالتاريخ هو إحساس ، التاريخ انسجام مع شعوب ، مع قيمهم ، مع طعامهم ، مع موسيقاهم ، مع جمالياتهم ، مع صوتهم ، مع تحرك ذواتهم ، مع ألوانهم ، لا نتصور ملحنا من فلنده يأتي إلى الصحراء  ويلحن في خياله لحنا يترجم إحساس الصحراويين ؛ ممكن، ولكن لا يمكن أن يشبه الكندرة الآتية منه ، إذن التعاون في التاريخ مهم ، في التوثيق ، في الرجوع إلى الدراسات ,في التعليم . إننا الآن في الدراسات المستقبلية بصدد مشروع هو مستقبل الماضي ، نأخذ أحداثا في الماضي ونحلل كيف تغيرت مع الوقت, مثلا إذا أخذنا الثورة الفرنسية وما كتب عنها  في آخر القرن 18 ، ما كتب عنها في 1830 ثم في 1870 ونحن نرى التغيرات بشأن نفس الحدث ، ونقول حسنا مضت 200 سنة على الثورة الفرنسية . الآن لنتصور بعد 50 سنة ، كيف سيكتب تاريخ الثورة الفرنسية ؟ فالتاريخ مادة أساسية للمستقبل ولهذا أشعر بنوع من الحزن فكري وثقافي وحضاري ، عندما يستعمل بعض الشخصيات وبعض المفكرين كلمة (لنطو الصفحة) أو ( طوينا الصفحة) أي صفحة تطوي ؟  تطوي صفحتك الخاصة بك؟ تطوي حياتك ؟ بأي حق تتجرأ على طي صفحة  ما جرى ؟ ماذا يعني  أن تمحو الماضي ،وبصفة خاصة ما حدث وقت الاستعمار ؟  لا يمكن أن تنطلق نحو المستقبل إلا إذا سويت وضعك مع الماضي، كلمة "نطوي الصفحة"يقولها سياسيون وسمعتها من مؤرخين ، كيف يكون ذلك ممكنا ؟ كأنك تركب سيارة  وتنزع مرآتها الارتدادية وتقول : سأسوق إلى الأمام دون أن أنظر إلى الوراء . ليس لنا هذا الماضي، نحن لن نخترعه ، هذا خطأ آخر ، أن نخترع ماضينا كما أردناه ، برومانسية ، ونوستالجية . علينا أن نسترجعه بالبحث الحقيقي بالحفريات ، في المخطوطات وفي النصوص التي يهتم بها الخارج  والتي يدرسها ويهتم بها بعض باحثينا دون أن يجدوا المساعدة الكافية .

 


Mahdi Elmandjra

Back to top

Home