العــلم (04-07-08)

الإفتتاحية

 

التاريخ لايجب أن يعيد نفسه

 

كان السيد الوزير الأول محرجا وهو في باريس، بقدر ما لم يكن محرجا وهو في المغرب. تأكد مرة أخرى، كما تأكد المغاربة جميعهم، أن المغرب بيت من زجاج يرى فيه الخارج ـ وهو يحيط به ـ أكثر مما يرى الداخل وهو في قلب البيت الزجاجي. والحقيقة أننا كلنا محرجون ليس لحرج السيد الوزير الأول أمام الصحافة، فتلك ضريبة يؤديها كل مسؤول في هذه البلاد خاصة إذا تعدى الحدود ووصل إلى بلاد أخرى يهب فيها نسيم الحرية . ولكنا محرجون لأننا بدأنا نشهد التاريخ يعود القهقرى كشريط سينمائي يدور عكسا، رأينا أحداثا تحدث، كنا نشفق على المغرب حينما سجلها التاريخ في طبعته الأولى، كنا نخاف أن تحدث انفجارا في المغرب كسيارة مفخخة.

وأخذ الشعب يتنفس الصعداء، بعد أن بدأ التاريخ يطوي صفحاته، وتأسست وزارة حقوق الإنسان. وتأسست الهيئة الاستشارية لحقوق الإنسان، وبدأت المنظمات الحقوقية تفتح فاها، وتجهر بالقول، وبدأت المنظمات الدولية (منظمة العفو الدولية) مثلا، تعطى في تقاريرها المتعددة (بون بوان) للمغرب، وتتحدث بكلام طيب عن المغرب، وسمعنا لجنة المصالحة في المغرب. وعن تطييب خاطر بعض ضحايا »تازمامرت« ولو بمساعدات مالية ورد الاعتبار، ولو بدون مال ـ لأن المال لا يرد اعتبارا للكرامة والحرية.

استبشرنا خيراً بالمفهوم الجديد للسلطة. وأكدنا لأنفسنا ـ بالحق أو بالباطل ـ أن كل ذي سلطة في هذه البلاد، سيمارس المفهوم الجديد. لأنه مفهوم صدر بقرار من جلالة الملك. وهو قرار يجب تنفيذه. كان منا من يؤكد أن أطلال التاريخ ـ السيء السمعة ـ لن تنجلي بين عشية وضحاها، وأن بعض الناس يجب أن يتمرنوا ليتعايشوا مع المفهوم الجديد للسلطة. وقال هؤلاء: لا بأس فشهور أو سنة تكفي للخروج من الظلال السوداء إلى نور الحقيقة والحرية والعدالة والكرامة.

الآن يتحدث الشعب عن أشياء تحدث، لا تختلف كثيرا عما كان يحدث في التاريخ سيء السمعة. ويتحدث الناس عن بعض تفاصيل ما يحدث، ويذكرون أسماء بعينها، كما كانوا يذكرونها في الماضي الذي دفناه. ويقولون: إن المشجب الذي تعلق عليه مباذل بعض السلط هي الارهاب.

القانون موجود والعدالة مشرعة والمحاكم لا تعرف عطلة الصيف. ولذلك فالإرهاب يخاف العدالة ويحترمها. ولايخاف التعذيب ولايحترمه.

كل ما يطلبه الشعب في تطبيق المفهوم الجديد للسلطة هو تلقين وتعليم هذا المفهوم بالأمثلة لكل ذي سلطة. هو احترام حرية المواطنين وكرامتهم . هو سيادة العدالة واحترام القانون وحكم القضاء. هو محو الخوف من ذاكرة كل المواطنين. هو سيادة الأمن بين الناس في حياتهم ومسيرتهم وليلهم ونهارهم.

لنا تجربة من الماضي سيء السمعة. ماتزال تذكرها الصحافة الدولية فتتساءل في وجه السيد الوزير الأول: هل عاد الماضي؟ وتتساءل منظمة العفو الدولية: هل أعاد التاريخ نفسه؟ ويتساءل الشعب أين المجلس الاستشاري لحقوق الانسان؟ لايقبل الناس أن يكون مجلسا لكتابة التاريخ بعد أن يقع، ولكنهم يعتبرونه مجلسا يعلن الحقيقة حين وقوعها، ويقول للماضي: عد الى مكانك. فالتاريخ لايعيد نفسه...

استمعوا الى ما يقوله الشعب، قبل أن تزعجكم ما تقوله الصحافة الاجنبية.