الرباط ـ القدس العربي ـ من منتصر حمادة: بالرغم من مرور عام ونيف علي أحداث الثلاثاء الأمريكي الأسود، ما زال الحدث يطغي علي اهتمامات العديد من الأقلام المحسوبة علي العالم بأسره، وليس علي المجال الأمريكي أو العربي الإسلامي، وذلك بحكم التداعيات الجمة التي خلفها، والتي تهم عن قرب الرقعة العربية بالدرجة الأولي. تستضيف القدس العربي في هذا المقام عالم المستقبليات المغربي، المهدي المنجرة، وتسأله عن بعض تداعيات القيامة الأمريكية ، أسباب الوهن العربي اتجاه ممارسات الإدارة الأمريكية، مصداقية الحديث عن حرب حضارية أو صدام حضاري ، وملفات أخري، فكان هذا الحوار. من يتأمل أوضاع العالم العربي والإسلامي اليوم، يتهيأ له أننا ما زلنا نعيش في مرحلة الاستعمار، بالرغم من تحصيل الاستقلال... أين مكمن الخلل من وجهة نظركم؟ كتبت كثيرا عن التحرر الثقافي، وتحديدا التحرر الثقافي من الاستعمار الذي عرفه العالم الثالث بصفة عامة، والعالم العربي والإسلامي بصفة خاصة. المشكل اليوم، وبعد التعبير عن كل هذه القناعات في مؤلفات ومحاضرات، أصطدم اليوم كون المسألة لم تصبح التحرر من الاستعمار.. ماذا تقصدون بالتحديد؟ نحن مدعوون إلي البحث عن وجودنا، عن كينونتنا، نحن في حاجة إلي حركة نهضوية تساعد العرب والمسلمين والعالم الثالث لأن يستعمروا أنفسهم بأيديهم، ما دمنا لم نعد نملك ذاتنا اليوم. عندما تقول أنك ترغب في تحرير نفسك، فهذا يفترض أصلا أنك موجود أو أنك كائن حي، ولكن ينقصك شيء جوهري لتفعيل هذا الوجود، وهي التحرر من شيء دخيل هجم علينا، ولكن الأمر مختلف عندما تكون كلك مأكولا، كما هو حالنا اليوم في العديد من الأقطار الإسلامية، أي أقطار لا تملك نفسها. علينا أن نعيد استثمار أنفسنا (se reinvestir en soi-meme). علماء النفس يؤكدون أننا نعيش عصر استيلاب لا يتعلق بالفرد وحده في المجال العربي أو الإسلامي، ولكنه استيلاب جماعي. لا أعتقد أنه يوجد واحد منا كان يتخيل في يوم من الأيام أننا سنصل إلي درجة الابتعاد عن الذات إلي هذا الحد الذي وصلنا إليه اليوم، من خلال مسخ الهوية والذات، وهذا يسهل من عمل الاستعمار. لنقل تحصيل جرعات كبيرة من القابلية للاستعمار إذا استعرنا عبارة المفكر الجزائري مالك بن نبي.. نعيش اليوم مستويات خطيرة من الذل والخوف. الإشكالية تكمن كما أشرت من قبل في ضرورة مراجعة الذات أولا، ضرورة العودة إلي الذات، وأرجو ألا يفهم كلامي من خلفية رجعية، فالمسألة لا تختزل في رجعية أو أصالة. علينا استثمار أنفسنا للوصول إلي أرضية يمكن الانطلاق منها آنذاك من أجل التفكير في الحداثة وإكراهات الساعة. أين يكمن الخلل بالتحديد؟ هل نلقي بالمسؤولية علي السياسيين، أم علي المثقفين، أم ننصت لأطروحات الإسلاميين أم التقدميين أم ماذا بالضبط؟ نحن نعيش عصر القوة اليوم، لا يوجد أي تفكير ينطلق من خلال الأخذ بعين الاعتبار المعطيات الميدانية التي تحيط به. ولا يمكن لأي حركة اليوم أن تنطلق وتتفاعل دون أن تنتبه لهذه المعطيات الميدانية. المسؤولون في أقطار العالم بأسره اليوم يستوعبون أننا أمام قوة مهيمنة، وأنهم مطالبون بمسايرة هذا المعطي، ونحن نشهده مثلا في التعاطي الأوروبي مع التهديدات الأمريكية ضد العراق، بحيث هناك حكومات أوروبية لم تتردد في معارضة رأي الشارع بخصوص الموضوع حتي لا تخسر تبعات العلاقة العضوية التي تجمعها مع الأمريكيين. تقصدون النموذج البريطاني؟ مثلا. هناك إذن ظروف خاصة، وما يعقد الأمور أكثر، أن الحكام في دول العالم الثالث يفكرون بعقلية الوقت الحاضر فقط، بالفكر الآني، أو فكر اللحظة، ولا يهمهم ما سيقع في المساء أو في اليوم الموالي. هناك عقلية براغماتية تطغي علي الممارسات السياسية عموما. العقلية البراغماتية تدفع بهؤلاء نحو اللجوء إلي التلاعب، سواء كان يتعلق بالعلاقة الرسمية بين الأنظمة العربية والعملاق الأمريكي بصفته المهيمن علي الساحة العالمية، أو فيما يتعلق بطبيعة العلاقة بين الأنظمة العربية مع ما يسمي بالنخب، من أحزاب سياسية، مثقفين، مجتمع مدني، وغير ذلك. عقلية الفكر الواحد إذن التي تفرضها الإدارة الأمريكية لم تكن لتجد كل هذا الرواج والتأييد والانتشار لو لم تكن هناك قابلية لتحصيل هذا التلاعب والبراغماتية، والنتيجة هي ما نلمسه في التعاطي العربي مع ما يتم في فلسطين والعراق، دون أن تكون هناك ردود أفعال عملية تحد من هذا النزيف. ما هو البديل إذن في ظل هذه المعطيات القاتمة؟ هناك حل من اثنين: إما تحصيل حد أقصي من الوعي والصبر والتوعية، حتي نشرع جميعا في إحداث تغيير تدريجي، وللأسف، هذا أمر غير وارد في الحالة العربية، لأن التغيير بالنسبة لنا سيأتي من النسق الحاكم، أي عندما نصل إلي ذروة التناقض بين الطاقة البشرية وإرادتها في، مقارنة مع إرادة المسيرين. وإما انتظار تغيير علي شاكلة انتفاضات ، ولهذا عنونت آخر مؤلفاتي ب انتفاضات في زمن الذلقراطية، (وليس الديموقراطية) وإن كان الكتاب قد تطرق لموضوع انتفاضة الأقصي علي اعتبار أنها أهم حدث عربي إسلامي في الوقت الراهن، إضافة إلي أن الانتفاضة موجهة ضد تخاذل العرب والمسلمين وموجهة بالطبع ضد الصهاينة. فإن الحديث عن انتفاضات بالجمع كان موجها إلي باقي الأنظمة العربية. أنتم تشتغلون في حقل الدراسات المستقبلية، هل يمكن تحديد مجال زمني قد نتوقع فيه صدور هذه المتغيرات؟ المسألة لا تكمن في الحديث عن خمس أو عشر سنوات، أقل من هذه المدة أو أكثر، لأنه بالنسبة للدراسات المستقبلية، هذه أمور ثانوية، لأن الأهم هو تفكيك هذه الآليات والكشف عنها، وبالطبع التنبيه إلي ما نؤول إليه إذا أصررنا علي تبني نفس السياسات. أحداث الثلاثاء الأسود كيف يقرأ المنجرة أحداث 11 أيلول (سبتمبر)؟ هذه العملية إعلامية ولحد الآن المعلومات حول ما حصل محدودة، وأي باحث يحترم نفسه، ويتوفر علي نزاهة فكرية لا يمكنه التعامل مع هذه الأحداث كما يتم التعامل معها من خلال ما تتعمد وسائل الأعلام ترويجه. كنت في مؤتمر بهامسفورد ببريطانيا يوم حدوث الاعتداءات، وقمت بإرسال برقية في الحين كتعزية موجهة لهؤلاء دون معرفة المقصود من التوابع، لا أنكر أنني تأثرت كثيرا بهذا العنف، انطلاقا من مبادئي، فيوما ما، كان لي شرف تنظيم الذكري المئوية لميلاد المناضل المهاتما غاندي في دلهي. في نفس الوقت حين نتأمل وضعية العالم من الصعب أن تمنع علي إنسان لم يبق أمامه أي طريق أو باب لكي يدافع عن نفسه للبقاء أن يعطيك أهمية أو قيمة، وأعتقد أن المحرك الأساسي لأحداث 11 أيلول (سبتمبر) هو الدفاع عن الكرامة. تم التعامل مع ما حصل مثل ما يتعامل الإنسان مع وسائل الإعلام الدعائي، واستغل الحزن والخوف كوسيلة للتحكم في الناس وهذه إشكالية أحداث نيويورك وهي للدراسة في المستقبل وثورة إعلامية قبل كل شيء. لأننا نعيش عصر الثورة المعلوماتية من جهة، و عصر الصورة بتعبير الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه... منذ سنين وأنا أكتب عن ثورة الإعلام والمعرفة وعن البحث العلمي وعن الخلق والإبداع الثقافي وغيره. وكان من مجالات اهتمامي التطورات التي شهدتها الثورة التكنولوجية في الإعلاميات والاتصال. إلا أن البنية التي قامت علي استعمال المعلومات والآلات والجهاز الإعلامي لتحسين التواصل ما بين الأشخاص واستغلال المواد التربوية والعلمية تطورت بسرعة صارت معها هذه الوسائل تستعمل لغاية واحدة والمعلومات، أي صارت إخبارية بالدرجة الأولي، وتركنا المجتمع، وخاصة المجتمع الإعلامي الحقيقي الثقافي وأصبحت المعلومات الموجودة والشبكات والتقنيات الحديثة (الأقمار الصناعية) تخدم شيئا معينا، مرتبطا بالاستخبارات. فالمعلومة خاصة بالاستخبارات، وحتي التركيب الهيكلي الدبلوماسي الأمريكي لم يعد له أي دور. كلنا نعلم أن مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف. بي. آي) من حيث المبدأ، ليس له الحق أن يشتغل خارج الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنه اليوم يتوفر علي فروع في جل البلدان العربية، وهذا ما خلق نوعا من الخوف، ويكفي تأمل ما حصل لـ 60 ألف عربي أو 60 ألف مشبوه، فقط لأنهم عرب أو مسلمون في الولايات المتحدة وفي بلاد تعد ديموقراطية. هذا الاهتمام الاستخباراتي كان له تأثير علي الذات في تفكيرهم ودخل الخوف علي الدول، فلأول مرة أمريكا تشك في نفسها وينتابهم الخوف في كل دقيقة. لماذا الخوف علي أوضاع الجالية العربية والإسلامية في أمريكا أكثر من أوروبا، هل ذلك راجع لكون الأحداث طالت الأمريكيين بالدرجة الأولي، أم لطبيعة العلاقة المرنة نسبيا بين الأوروبيين والمسلمين؟ أمريكا صارت اليوم إشكالا عنصريا، فحتي داخل أمريكا تجد بعض وسائل الإعلام وكذا أوساط معينة مناهضة للسياسة الأمريكية إذن النزاع مع ما يسمي بالأقليات بأمريكا ليس اقتصادي بل وسياسي أيضا. في أوروبا هناك سوابق مع الدول، علاقات استعمارية فيما قبل، الأزمة الاقتصادية الكبري، أزمة البطالة، قبل عشر سنوات اقترحت علي المسؤولين المغاربة تأسيس مركز التعاضد المغربي تساهم فيه دول المغرب العربي من أجل تقديم مساعدات للمهاجرين بالخارج الذين يتم طردهم. ولو أنه بعد مدة قليلة سنري أن أوروبا نظرا لضعف النمو الديموغرافي، وارتفاع الشيخوخة ستكون قطعا في حاجة لهذه اليد العاملة. في النهاية لا يجب أن نلوم الآخر، فهل كان بإمكان أمركيا أن تتعامل بالطريقة التي تعاملت بها الوسائل الأمنية والإعلام مع 60 عربيا لو كانت السفارات والقنصليات العربية الموجودة اتخذت مواقف أو مقاطعة. وأضرب مثلا علي ذلك، وهو قيام الأوروبيين والأمريكيين والفرنسيين بمظاهرات ضد إسرائيل في مشاهد لم نشهد لها مثيلا بالدول العربية، وذلك راجع أساسا إلي تحريمها من طرف الأنظمة السياسية والعسكرية العربية. تصاعد وتيرة الخلاف الأوروبي الأمريكي ما هي خلفيات المعارضة الأوروبية لأمريكا بخصوص ضرب العراق؟ هل ترجع لتخوف أوروبا علي مصالحها أم أن أوروبا بدت تعي أن أمريكا الأسد الجريح قد يرتكب حماقات تجهز علي الأخضر واليابس في المنطقة؟ هذا يصعب تفسيره. لكن أصول التنبيه الأوروبي لخطورة الغطرسة الأمريكية تعود لحقبة الأربعينات، أي في الوقت الذي كان ديغول في لندن وكانت من بين الناس المساعدين في حركة التحرير الفرنسية في لندن السيدة سيمون فاي (Simon veil) (السياسية الشهيرة آنذاك وليس سيمون فاي الثانية التي عاصرت فرانسو ميتران). منذ تلك الفترة بدأ التخوف الأوروبي من أمريكا نظرا للصلة الثقافية لأن الجزء الكبير من الثقافة الأمريكية جاء من أوروبا والبلدان الإسكندنافية وألمانيا وغيرها. أوروبا كان لها غرض أساسي بأمريكا وهو ما يسمي بالمظلة النووية، قبل أن ينتهي الخطر مثل ما حصل باليابان وغيرها. ثم إن أوروبا أدركت إمكانيات عسكرية واقتصادية وغيرها، وبالرغم من ذلك لم يسمح لأية دولة أوروبية كيفما كانت أن تتخذ موقفا حقيقيا ضد أمريكا في الحرب، مضطرون للتبعية فوسائل الضغط كثيرة علي سبيل المثال علي ألمانيا واليابان. سبق لي أن أشرت في حوار مع قناة يابانية أننا سنشهد نوعا من الانفصال الأوروبي علي عدة مستويات ففي حركات بسيطة ضد العولمة أكبر منطقة وجدنا فيها مجتمع تحرك ضد العولمة في أوروبا (بلجيكا-ألمانيا- الدول الاسكندنافية...) أو لأنهم أناس واعون بعناصر إيكولوجية وللأسف تحليلنا في العالم العربي لهذا العنصر للدراسة والتنمية الحقيقية لم يدخل في أذهاننا استعمال الطاقة. هناك جملة لابن خلدون مفادها أننا نعيش وقت انتقال من شيء لآخر ووصف هذه الطفرة بالمرحلة الانتقالية الأساسية في تاريخ الإنسانية. نظن أننا نعيش فترة مثل تلك الفترة في التغيير، وأقول إنه ما جاء في مقال لميشيل سير في لوموند ، يمكن أن نقول نحن لسنا في نهاية التاريخ بل علي وشك بداية التاريخ، التاريخ الجديد. الأشياء أصبحت واضحة والناس أصبحوا واعين أكثر اليوم، هناك إشكال بسيط ما بين أوروبا وأمريكا وسيأتي في داخل أمريكا شيء، الجهاز الأمريكي والمواطن الأمريكي وترجمة هذا الإحساس وهذا التفكير من مستوي الأشخاص إلي السياسة الخارجية شيء آخر، التغيير الذي حصل بعد 11 أيلول (سبتمبر) وهو أن العالم أكبر من الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا تغيير جذري يمس عمق تفكيرهم. من ناحية ثانية، إن الطريقة التي سارت عليها الحكومة الحالية والنظام القائم بأمريكا بقطع النظر وستر المشاكل الأساسية والاقتصادية، التماطل في إفراز نتائج الانتخابات، استفحال قضايا الفساد المؤسساتي الذي يهم شركات اقتصادية عملاقة، الأزمة الكبيرة في كاليفورنيا بخصوص الطاقة، وهي بالمناسبة أهم ولاية في أمريكا اقتصادية بعد نيويورك، عندما قررت أربع شركات ممتلكة الطاقة عدم توزيع الطاقة وأقروا بوجود عطب ولهذا السبب ثمن الطاقة ارتفع وأصبح مفروضا علي الشركات إعادة المال للولاية... كل هذه مؤشرات علي أزمة عميقة تمر بها أمريكا اليوم، وليست تبعات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) إلا فرصة من أجل التغطية عليها. لقد أمضيت 10 سنوات داخل أمريكا واقتنعت بأن الشعب الأمريكي مثل باقي الشعوب، سيقع مع الوقت تغيير يكشف ما هي الشبكة الصغيرة التي تحرك المجتمع الأمريكي في السياسة الخارجية بما فيه لوبيات الاتصال، لوبيات النفط، لوبيات الاقتصاد، أجهزة المخابرات... أعتقد أن الزلزال الحقيقي الذي بزغ مع الاعتداءات ليس في برجي نيويورك، بل في التركيب العقلاني وفي التفكير وفي التطوير الحضاري الذي سيأتي ولهذا يجب أن نكون متفائلين، وغالبا ما أستعير مقولة لغرامسكي يشير فيها إلي ضرورة التسلح بعقلانية التشاؤم وتفاؤل الإرادة. صدام حضارات أم صدام سياسات؟ هل نحن امام حرب حضارية بتعبيركم أم صدام حضارات حسب صامويل هنتنغتون، أم صراع هويات، أم ماذا... وهل الإدارة الأمريكية تشن حربا علي الإسلام أم علي الحركات الإسلامية المتشددة؟ مواقفي في هذا الموضوع معروفة، فأطروحتي في الدكتوراه بلندن تعرضت للمقارنة بين الوحدة العربية والوحدة الإسلامية والقومية الإسلامية والأمة وغير ذلك. الأمور بدت واضحة، فالإسلام خطا طريقه مع الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا، وجاء كحركة تحريرية، فهو الذي حرر دول العالم العربي والإسلامي وليس الإيديولوجيات التي قدمت من الغرب. الغرب جاء بالاستعباد والعبودية لبلداننا بالدرجة الأولي قبل ما يسميه البعض بحسنات الاستعمار... لنتأمل ما قام به الجنرال ليوطي قبل مجيئه إلي المغرب والجزائر، وما قام به آخرون في الحركة الاستعمارية عن طريق خبراء وعلماء ومستشرقين ممن كانوا يأتون قبل سنة 1912، حيث استوعبوا أن أي مجتمع إسلامي لا يتعامل مع الإسلام كدين فقط، ولكن الإسلام شمولي ووسيلة تفكير وعلاقات تواصل وفلسفة حياة، وتوصلوا بالتالي إلي أنه من غير الممكن أن تفككه، بمعني إما أن تمارسه كله أو تتركه كله. وواضح أن مفردات مثل العلمنة أو العلمانية لا أساس لها في هذا التفكير الشمولي لقوة الإسلام. لا تنس أن كرومويل دخل إلي البرلمان الإنكليزي وكان للإنكليز آنذاك مشاكل كبيرة مع مصر. دخل والقرآن بيده وقال مادام هذا الكتاب يحترم ويقدس في مصر، فلا مستقبل لنا فيها . بالنسبة للحالة المغربية، سوف نشاهد بروز نماذج متخلفة في الدين مثل الزوايا ، وبزوغ التحالف بين المخزن وفئات ارتزاقية تستعمل الدين والإسلام، وأصبحنا نشهد ونصطدم بارتزاق أقلام تصنف وتتم تزكيتها في الجامعات الأوروبية، مقابل تقديم خدمات مفضوحة للغرب الذي يكتفي بتسويق صورة هؤلاء كـ أساتذة و خبراء تتم استضافتهم في القنوات الإعلامية الغربية، وهي خاصية عربية فريدة في الارتزاق، بحيث أصبحنا نصطدم بهم في أغلب الندوات التي تتطرق لموضوع الحركات الإسلامية مثلا. مسألة الارتزاق هذه نجد لها جذور في الماضي من خلال أخطاء الصوفية، التي لم تسلم من هذا الارتزاق ولم تؤخذ من معانيها السامية والحضارية.. تقصدون صوفية ابن عربي وأبي حامد الغزالي مثلا.. وابن الرومي وغيرهم.. لم نتعامل مع هذه الصوفية من هذا المنطلق الفكري النوعي القيم، ولكن اتخذت كوسيلة للاستغلال السياسي وبزغ تحالف جديد مع النظام الحاكم سواء أكان استعماريا أو حتي بعد التحرير من الاستعمار. وهذا يمس حتي العديد من الحركات الإسلامية، بدليل كشف الأوراق الذي أبرزته أحداث الحرب علي أفغانستان، فالأرقام تشير إلي تورط أمريكي يصل إلي دعم مالي يفوق مليار دولار لحركات الجهاد الأفغاني ضد الوجود السوفييتي. وكان التمويل الذي شاركنا فيه نحن كعرب ومسلمين يندرج ضمن النزاع العالمي الإيديولوجي العالمي ما بين الإسلام من جهة والتيار الشيوعي. لقد صرفت أموال باهظة من الخارج جاءت لتشجيع بعض الحركات الإسلامية التي تحارب بأي وسيلة التفكير والتنوير وضد التيار الإسلامي التنويري الذي عرفناه في المغرب مع علال الفاسي، المختار السوسي، أو مع مالك بن نبي في الجزائر، محمد الغزالي في مصر... أصبحنا نري نوعا من التحالف ما بين الحكم المحلي والاستعمار من قبل، لأن هذه الحركة التي صارت حركة الانبعاث الإسلامي هي التي حاربت الاستعمار ولما طرد هذا الأخير فمثل ما صار في الميدان الاقتصادي والسياسي والثقافي صار تحالف من جديد ما بين المستعمر القديم والحديث، لأن مصالحهم صارت محددة وهذا أعطي انطلاقا وخصوصا قبل انقسام الاتحاد السوفييتي. مشكل الحركات الإسلامي عموما، أن بعضها مورط تأسيسيا من قبل الأنظمة الحاكمة، حيث تم استغلالها في تلك الحرب علي إيديولوجيات معارضة للنظام. الحالة المصرية مثلا مع تحالف الإخوان المسلمين ضد الشيوعيين؟ هناك حركات تخدم مصالح النظام الحاكم الذي يخدم الحكم. لكن ما هو أخطر في تعبير الحركات الإسلامية ، وبخاصة مصطلح الإسلامي الذي يثير حفيظتي باعتباره محاولة للتفريق بين مسلم وآخر، مع أن التقوي بالذات هي التي يمكن أن تفرق حقا بين المسلم وأخيه. لقد استعمل هذا المصطلح لأول مرة عند الأشعري وذلك للتفريق ما بين الأسلوب الأدبي والشعري في عصر الجاهلية. أما القرآن ففيه المسلم والمؤمن والإيمان. الإسلامي الكلمة لم تأت حتي في القرن 17 أو 18، في انكلترا، وكان يقصد بها المستشرق الذي يدرس العالم الإسلامي، وقد استعملت من جديد في آخر القرن 19 في بعض المخطوطات. وكانت إسلامي تعني اليهود الذين أسلموا في إسبانيا وجاءوا للمغرب كمسلمين للتفريق ما بين المسلم الذي ولد كمسلم والإسلامي الذي دخل للإسلام من بعد. بخصوص الحديث عن الحرب الحضارية أو الحرب الصليبية وغيره.. أشير إلي ما جاء في مبحث لأستاذة يابانية قامت بدراسة حول الحروب الصليبية وعددها ثماني بالمناسبة، توصلت إلي أن عدد ضحايا الحروب الصليبية وصل إلي رقم 100.000 أما اليوم، وفي العالم الإسلامي بالذات ونحن نتحدث فقط عن العشر سنوات الأخيرة، فيصل الرقم إلي مئة مليون ضحية في كشمير، السودان، إيران، نيجيريا، الشيشان... وطبعا في العراق، أي بمعدل عشر مرات أكثر من ضحايا الحروب الصليبية. علي ذكر العراق، كيف تقرؤون التهديدات الأمريكية ضد العراق؟ كيف يمكن لبلد مثل أمريكا لا يتعدي تاريخ حضارته الثلاثة قرون، سبق له أن أجهز علي الحضارة الهندية.. كيف لهذا البلد أن يجهز علي أقدم حضارة هي الحضارة العراقية. للأسف اليوم، وضعنا أصبح شبيها ببداية الاستعمار، كما لو أن الأمريكيين قدموا لاسترجاع ذلك. وما أتمناه اليوم، في ظل الظروف الخطيرة التي نمر بها ويمر بها العالم، أن يكون هناك وعي بأهمية التواصل الحضاري وبوجود مصلحة مشتركة علي مستوي عالمي، ولكن بشرط أن تحليل هذه المصلحة المشتركة يأتي بالمشاركة وبإجماع وبتناسق خصوصا وأن المؤسسات التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية فقدت مصداقيتها، وفي مقدمتها منظمة الأمم المتحدة. QP10 |