"انتفاضات في زمن الذلقراطية" جديد المهدي المنجرة

انتقاضة الأقصى موجهة ضد الغطرسة الصهيونية وضد  الخيانة  العربية والإسلامية

منتصر حمادة

ليست صدفة هي أن يحمل آخر ما صدر للبروفسور المهدي المنجرة، عالم المستقبليات وأحد أبرز الوجوه المعرفية في المغرب، إسم انتفاضات (أو "انتفاضات في زمن الذلقراطية")، فالإصدار يتزامن مع أحداث الساعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتصاعد وثيرة الإرهاب الصهيون ضد الشعب الفلسطين مقابل وثيرة التخاذل العربي والإسلامي اتجاه أصحاب الحق أما عن لجوء المؤلف إلى استعمال عنوان عن انتفاضة الأقصى بصيغة الجمع ( انتفاضات عوض الحديث عن انتفاضة) فيعود إلى كون الانتفاضة لم تكن فقط القشة التي قضمت ظهر البعير والنقطة التي أفاضت الكأس بين لهم قوة الحق على أرض فلسطين ومن لهم حق القوة في امتلاكها، ولكن كانت على الخصوص ثورة على التخاذل العربي سواء تعلق ذلك بأوضاع متردية أو قرارات هشة ناهيك عن ذلك الاستخفاف الرسمي برأي الشارع العربي.

لا يمكن للخطأ أن يطال الانتفاضة من أمامها أو من خلفها، هذا ما يجب أن يستوعبه الكيان الصهيوني وكذلك بعض الإدارات العربية التي يزعجها استمرار هذه الصيحة، فهي بالتأكيد لم تأت من فراغ ولا من عدم، ولم تأت من انقلاب ولا من تآمر، وإنما قدمت من صيرورة تاريخية لا آنية فيها ولا ارتجال، قدمت كما يلح على ذلك المنجرة من اختمار ماض مر ومتردي، من حاضر ملؤه اليأس ومن أمل في المستقبل يتغيأ البديل الجذري لا الترقيع المرحلي المجحف أو الحلول الوسطية المهادتة ، ولذلك تبقى تلك الانتفاضات التي يلوح إليها المؤلف  مستقبل الانتفاضة على امتدادها ومرجعيتها.

ولعل جرأة مواقف المؤلف التي نلتمسها في انتفاضات اتجاه التخاذل العربي الإسلامي واتجاه  ملفات مغربية، عربية، إسلامية وحتى أممية، تفسر سر التهميش الإعلامي الذي طال هذا الكتاب القلق.

وما يزيد من تعقيد الأمور (كما يتصور ذلك الكيان الصهيوني المحتل) هو أن الانتفاضة أصبحت عملية مستقلة لم يستطع التحكم فيها لا الاستعمار الجديد ولا الصهيونية ولا حتى النظام العربي ولا السلطة الفلسطينية، ما دامت مصنوعة من جينة خاصة (جينة محمد جمال الدرة الطفل وإيمان الرضيعة وغيرهما ) برهنت على استحالة تفرعها من جينات سائدة صنعتها الإمبريالية والاستعمار الجديد وتخاذل النظام العربي، هي ببساطة ثورة على انبطاح الآني  أمام المستقبلي، على انهزام الحاضر أمام المستقبل.

سوف نركز في هذا العرض الموجز لآخر قلاقل المهدي المنجرة العلمية على نقاط ثلاث: الانتفاضة بطبيعة الحال، صاحبة الشأن السامي وراء  صدور الكتاب، الشأن العراقي مع استمرار المجابهة العراقية لذلك الحصار الجائر قبل أن نعرج على ملف العولمة من وجهة قلم يبقى أحد المراجع العربية والدولية في الدراسات المستقبلية.

 

انتفاضة فلسطينية أم انتفاضات عربية

 

 يفتح المنجرة النار على تعامل الرأي العام الدولي مع الانتفاضة، مؤكدا على أنه لا وجود لرأي عام دولي (وإلا كان هذا الأخير قد تحرك بالملموس مع صور مقتل جمال الدرة والرضيعة إيمان) مستشهدا بما جاء في مقال نشر بيومية "الأندبندنت" البريطانية حول دور الإعلام ودور تلفزيون "سي.آن.آن" والطريقة التي تستعمل فيها الولايات المتحدة الأمريكية والصهاينة في توجيه ما يسمى بالرأي العام الدولي، وكان المقال قد نشر بعد ما جرح جيش الاحتلال مراسل " سي.آن.آن" في القاهرة.

الرأي العام المطلوب مراعاته هو كرامة المواطن العربي، هو أولئك الأطفال الذين نراهم في الشاشة يرمون الحجارة ضد جنود الاحتلال وهم يدافعون عن كرامتنا في آن.

يشير المؤلف أنه منذ 1917 وإعلان بلفور، اتضح أن الرأي العام الدولي لا يمكن أن تغيره نهائيا لأن قوته ليست فيه، وإنما قوته في ضعفنا، وإذن يجب أن نتغلب على هذا الضعف الذي يسكننا، وأن نعطي أهمية لشعوبنا وللرأي العام العربي والإسلامي في بلداننا، وهو ما نجحت الانتفاضة وبامتياز، في شد اهتمامه وتجييشه لصالحها.

وحتى لا نتهم المنجرة بالتخريف من جراء الترويج لخطر الانتفاضة على العديد من الحكومات العربية ذات العلاقات الخاصة مع الإدارة الأمريكية ( نشرت مثل هذه الاتهامات للأسف الشديد في إحدى اليوميات المغربية التي كانت أول ما يهرول منذ سنين نحو نشر كل ما يصدر على لسان نفس المؤلف، قبل أن تنقلب الأمور اليوم بفعل قدرة "الواقعية السياسية"...) نشير إلى أن نفس التحذيرات صدرت عن جورج تينت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في مطلع شباط (فبراير) الماضي، وكذلك عن أكاديميين إسرائيليين في ندوة عقدت بإحدى الجامعات العبرية في نهاية ربيع هذه السنة.

يعرف علماء البيولوجيا (علم الأحياء) الاستقرار بأنه مرادف للموت، ولذلك الدول تتغير وتتحرك كما أشار إلى ذلك المؤلف الذي افتتح كتابه بمقولة قدمت على لسان ابن خلدون، مفادها أن "طبيعة الكون تجعل من التغيير سنة كونية، ولكأنها تساعد على خلقه من جديد"، ولذلك يأمل أن تكون انتفاضة الأقصى بداية نهاية نسق بأكمله، أما الرأي العام العالمي فستتغير مواقفه عندما يرى أن لدينا مصداقيتنا وكرامتنا الخاصة، وأننا نحترم أنفسنا (ص 157).

 

 بصدد حرب الخليج أو الحرب الحضارية الأولى

 

عندما أصدر الكاتب مؤلفه " الحرب الحضارية الأولى عام 1991، كان قد أشار إلى كون العدوان على الشعب العراقي ما هو إلا حلقة ضمن سلسلة الحروب الحضارية التي ستحياها الإنسانية أو التي تقبع فيها الآن، وهذا ما حدث بالفعل، فبعد التحالف الثلاثيني ضد العراق شاهدنا جميعا المجازر الإبادية بالبوسنة والهرسك والشيشان والصومال، والبقية على ما يبدو في الطريق.

لذلك أهدى المؤلف كتابه لكل من سحقتهم وستسحقهم محرقات الإبادة ودبابات وصواريخ وقنابل الغطرسة والبطش والغدر، فالحصار المضروب على العراق، لم يكن موجها بالضرورة لإقبار مقدرات هذا الشعب وإمكانياته، بل كان تحذيرا وإنذارا لكل من سولت له نفسه مجابهة الغطرسة الأمريكية، وتهديد أمن اسرائيل كانت إحدى أهم "كبائر العراق خلال حرب الخليج الثانية، أن قام بقصف الدولة العبرية الصهيونية)، وعليه تبقى سياسة العقوبات والخطر الشامل التي صعقت بها أرض العراق، هي جلدة غير مباشرة وحصار ضد عدم التبعية والركوع للعملقة الأمريكية.

ثمن باهظ ذلك الذي يؤديه ولا يزال الشعب العراقي، فنسبة ضحايا العقوبات الاقتصادية في العقد الأخير من القرن العشرين في العراق تعد نسبته قياسية جدا (يكفي الاطلاع على حيثيات كتاب " التنكيل بالعراق"، لصاحبة جيف سيمونز كمراقب غربي للمصادقة على هذه المعطيات السوداء النكهة)، وحسب الإحصائيات المتوفرة، تجاوز عدد الضحايا مليوني نسمة وجلهم من الأطفال والمرضى والمسنين، وقبل سنتين في 11 تشرين الثاني( نوفمبر)1998 ، تقدم رامسي كلارك في رسالة موجهة إلى الإدارة  الأمريكية يندد فيها بالحصار الشامل وبفظاعة النتائج المترتبة عنها مؤكدا ومعلنا" أن مليونا ونصف ماتوا في الحصار وأغلبهم من الأطفال، وبوصفي محاميا يضيف كلارك "أعتبر الحصار بوضوح جريمة ضد الإنسانية، وسلاحا للتدمير الشامل"، وبقدر ما أراد موقعو سياسة الحصار والعقوبات الاقتصادية وإتبات هيمنتهم واحتكاريتهم لكل من وما على الكرة الأرضية، أبانوا وأماطوا اللتام عن اختلالات عديدة بالمنتظم الدولي الذي فقد مصداقيته ومصداقية القوانين والمواثيق والأعراف الدولية والمبادئ الإنسانية والمنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، وكما جاء في "انتفاضات" المنجرة، فقد "أصبح الميثاق الأممي عبارة عن وثيقة غريبة صالحة فقط للحفظ داخل أرشيفات متحف لاستخدامها عند الاقتضاء، في الأبحاث حول أركيولوجيا العلاقات الدولية" (ص 188).

مبدئيا، يمكن القول أن صمود الشعب العراقي حول نتائج الحصار يبقى في صالحه، خاصة على المستوى السيكولوجي، بمعنى أن الحصار بات منتهيا سيكولوجيا،ـ رغم الثمن الباهض الذي أداه، وإن كان لن يتفادى أزمته إلا خلال عشر أو خمس عشر سنة، ولنتذكر اليابان وألمانيا كدولتين خسرت الحرب العالمية الثانية لكنهما تحولتا منذ الستينات إلى أبرز القوى الصناعية إقليميا وعالميا، الوضع نفسه سيعرفه العراق والكلام لعالم مستقبليات، إذ سيعود من جديد قوة بارزة في العالم العربي وفي المنطقة الشرق أوسطية، فبالرغم من استمرار القصف الأمريكي-البريطاني للأراضي العراقية، وأيضا ارتفاع عدد الضحايا، بالرغم من هذه الإبادة (المشهودة)، إلا أنه لا مجال للمقارنة بين بلد ذي حضارة عريقة قامت على العطاء منذ ستة آلاف سنة تقريبا، والحضارة الأمريكية إذا جاز وصفها بالحضارة التي لم يتجاوز تواجدها خمسة قرون، مرتكزة في هذا الوجود على سياسات التحطيم والتهديم، فمنذ نشأتها شنت حرب إبادة منظمة ضد الهنود الحمر السكان الأصليين لأمريكا، ثم ارتكبت جريمة إطلاق القنابل الذرية على هيروشيما وناكازاكي، وخوض غمار حروب لا علاقة لها بها كالحرب ضد كوريا والفيتنام.

ثمة مفاهيم أيديولوجية كالتكبر والغرور تؤطر هذا العناد وهذا النفاق، وتلك سمات الاستراتيجيات المتغطرسة التي تنجح في الأمد القصير وتفشل في الأمد المتوسط و الطويل، ومستقبل الحضارة الإنسانية مرتبط بهذه الهيمنة، المنتهية لا محالة خلال العقود القليلة القادمة، خاصة في المستويين الاقتصادي والسياسي (ص195).

نقطة أخيرة، حري بنا التنويه بها في هذا المقام، وتمس عنصر الميتولوجيا المفروض أن يؤخذ بعين الاعتبار في تحليل أبعاد السياسة الدولية لبعض الدول كالولايات المتحدة، التي تبقى دائما في حاجة إلى صنع تاريخ بطولي وتحتاج بالتالي إلى صنع أبطال، ونستحضر هنا الحرب الأهلية الأمريكية التي جعلت الجنرال غرين بطلا، وتدخل روزفلت في أمريكا الجنوبية أعطاه صفة البطولة، ثم نجد أيزنهاور في الحرب العالمية وكذا حربي الفيتنام وكوريا، وصولا إلى حرب الخليج الثانية (عاصفة الصحراء") التي جعلت من جورج بوش الأب بطلا للسلام العالمي، الذي أنجب معه اليوم منظومة "السلام كخيار استراتيجي" وكتعبير في واقع الأمر عن إرادة الضعفاء أمام غطرسة المحتلين والمستعمرين القدامى والجدد على حد سواء.

 

العالم الثالث و"عولمة العولمة"

 

تتباين أراء وتصريحات الأقلام العربية بصد موضوع العولمة، وتتفرع ما بين المعارضة أو المطالبة بضرورة التكييف، لكنها أجمعت في سمات عديدة على أن ظاهرة العولمة تفرض علينا في نهاية المطاف أن نكون أولا نكون، كما أشار إلى ذلك أحد النقاد العرب، لكن الإشكال قائم في طبيعة هذا التكييف مع إحدى مظاهر الغطرسة الغربية الجديدة، وخاصة على استحقاقات مجابهة زحف عولمة موحشة للغاية.

لا تختلف مقاربة المهدي المنجرة من حيث المضمون مع مقاربة أغلب من انتقد المسار الذي تتبناه العولمة في الفترة الراهنة، حتى أنه عرفها بالرؤية الغربية التي تدوم السيطرة على دول العالم غير اليهودي-مسيحي، أو السيطرة التي يريد الغرب أن يفرضها على دول العالم الثالث بشكل تصير فيه هذه الدول مسلوبة حضاريا وتابعة اقتصاديا" وهذا حال " أخطر من نظام الحزب الواحد ومن النظام الديكتاتوري" (ص57) موضحا أن من مظاهر الغزو الثقافي لدول العالم الثالث محاولة نشر مفاهيم خاطئة لبعض المصطلحات كالعولمة تحديدا-  التي يقصد بها السيطرة الاقتصادية والغزو الثقافي وفرض القيم الغربية على الشعوب الأخرى، عكس المفاهيم المروج لها من قبل وسائل الإعلام الغربية.

يتبنى الكاتب في معرض تقييمه لمفهوم العولمة اللجوء إلى مرادف الأمركة، مضيفا أن ما دون هذا المفهوم يعد تزييفا وخداعا حتى يتسنى للعولمة تحقيق مآربها المرتبطة في الحقيقة بالأخلاق وليس بالاقتصاد بالدرجة الأولى- كما يدعي الغرب.

فالحضارات اليهودية المسيحية ترمي من وراء العولمة فرض قيمها وأخلاقياتها وأسلوب حياتها على الحضارات غير اليهودية وغير المسيحية كحضارة عالمنا الإسلامي، وما الاقتصاد بالتالي إلا واجهة لإخفاء الوجه الحقيقي للعولمة الكامن في النفوذ إلى حياة المجتمعات لاستمرار بسط الهيمنة والتحكم.

وما دامت العولمة كاصطلاح ترادف الأمركة ( عند الكاتب وكذا عند العديد من المتتبعين حتى من داخل القارة الاوروبية، نذكر منهم على وجه الخصوص جماعة "لوموند ديبلوماتيك" الشهرية الفرنسية التي يديرها القلم الفرنسي المقتدر إيناسيو راموني)  فهو بالتالي - من سلالة الاستعمار ومن جنس الإرهاب، (ص87)، وليست العولمة كما يدعون مع التواصل والانفتاح، لأنه ومنذ أقدم الحضارات والشعوب في تواصل وعلاقة دائمين، ولا أحد ضد الحداثة والانفتاح والتطور، لكن ما تقول به العولمة وتنادي به هو الانكماش الحقيقي، لأن مبتدعي هذه الاستراتيجية يسعون إلى شل أدنى حركة تفكير لدى الشعوب وبالتالي جعلهم يفكرون بمنطق هؤلاء ويتبعون نمطهم في الحياة.

ماذا عنا نحن كعرب ومسلمين؟ وما هو موقعنا في خريطة العولمة الراهنة؟

الواقع أن وضع خطط واستراتيجيات للمجابهة يتطلب في البدء امتلاك رؤى مستقبلية واضحة، لكن، وكما جاء على لسان الكاتب، وفضلا عن أزمات العولمة ذات الطبيعة أو التجليات المادية "كانت هناك تأثيرات تمس الجانب النفسي أو " البسيكولوجي" لشعوب العالم الثالث، وتقف هذه التأثيرات وراء عدم وجود رؤى مستقبلية واضحة المعالم لدى هذه الشعوب، لأنها لم تعد تستطيع أن تحكم ولا تمتلك أحلاما على أساسها تبني مستقبلها، إذ ثم اقتلاع مرجعياتها وجذورها واستبدالها بأحلام لا تخصها وهذا ما يصفه الكاتب بالاستلاب أو الانسلاخ الذي تعاني منه شعوب العالم الثالث بما فيها عالمنا العربي والإسلامي.

يهمنا جدا تعامل الغرب مع العالم الإسلامي، والذي سيمر بانعطاف كبير عام كبير عام 1976 مع صدور إحصاء عن بابوية الفاتيكان، اتضح من خلال أن عدد المسلمين والأول مرة يفوق عدد المسيحيين في العالم (965 مسلم مقابل 950 مليون مسيحي كاثوليكي)، ويقدر الفاتيكان عدد المسلمين سنة 2020 بمليار و860 مليون نسمة (يذكر أن عدد المسلمين اليوم يناهز مليار و 300 مليون نسمة) مما يشكل خطرا حقيقيا على الغرب، خطر ديمغرافي بالطبع بكل التبعات السوسيو اقتصادية التي تؤرق بال صناع القرار الغربي (نقرأ في الملحق الثقافي ليومية "لوفيغاروا" الفرنسية اليمينية، قراءة  في مؤلف حول " نجاة العالم الغربي بفضل الرهان على المرأة"، ويشير صاحب القراءة إلى أن تراجع معدلات النمو الديمغرافي في القارة العجوز  يهدد بفناء أوروبا. "لوفيغارو". 28/06/2001)، وقد دفعت هذه المعطيات وغيرها بالمسؤولين الغربيين نحو رسم المخططات ووضع السياسات التي من شانها الحد من انتشار الإسلام ومن ازدياد عدد المسلمين في العالم، ( غالبا ما يتم الربط بين المساعدات الغربية للعديد من الدول الإسلامية بتبني المسؤولين الحكوميين في هذه البلدان سياسات تحديد النسل). ولعل أهم ما يوجز تعامل ذلك الآخر مع العالم الثالث، ومع العالم العربي- الإسلامي هو ما جاء على لسان جورج بوش الأب في غشت 1990 وكذا وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، من ان " السيطرة على بقية العالم وبسط النفوذ والهيمنة على التجارة أمر ضروري لبقاء الولايات المتحدة الأمريكية، وأي تهديد لهذه المصالح يشكل خطرا على توعية حياة الشعب الأمريكي".

لكن ماذا عن البديل؟ وما هي آليات مجابهة العرب والمسلمين لتيار العولمة الجارف؟.

كثيرا ما استشهد المهدي المنجرة بالنموذج التنموي الياباني، من منطلق التمييز الذي أبدع فيه بلد الجزر والبراكين والزلازل بين الغربنة والحداثة، حتى أمكنه الوصول اليوم إلى مركز متقدم في مجال التصنيع والبحث العلمي والاعتماد على الذات، دون الأخذ بالنموذج الغربي في هذا المجال (يذكر أن اليابان تمثل اليوم ثاني قوة اقتصادية في العالم)، وقد اعتمد اليابان في هذا الصدد على محاور أربع بحسب استقراء الكاتب:

-الارتباط والانطلاق من القيم اليابانية.

-محو الأمية.

-النهوض باللغة اليابانية.

-دعم البحث العلمي.

وبعد؟

لا نعتقد أن المسؤولين الحكومي في الدول العربية الإسلامية يجهلون مثل هذه المعطيات الميدانية والموضوعية، ولا نشك أن مسألة المجابهة تلك تبقى مسألة، إرادة بالدرجة الأولى، إرادة الوجود والفعل والمجابهة أو إرادة الرضوخ والانصياع والعيش عالة على مستجدات العولمة في مختلف تجلياتها السياسية والاقتصادية والثقافية والمعلوماتية...

كانت هذه إطلالة متواضعة في حق آخر ما صدر لعالم المستقبليات المغربي، البروفيسور المهدي المنجرة، اجتهدنا على قدر المستطاع في إيصالها للمتلقي العربي، من منطلق استحضار متطلبات مسؤولية الشهادة والإشهاد والاستشهاد بالذي ينفع الناس، في زمن الكثير من اللغو والتضليل والتزييف.

………

الحمد لله أنه في نهاية المطاف ... لن يصح إلا الصحيح.