|
الحرب تبدأ من
الكويت
عبد
الباري عطوان
ان تبدأ حرب الخليج الثالثة في جزيرة فيلكة الكويتية المهجورة
والمنسية، فهذا امر اقرب الي المستحيل، لان الانطباع السائد عند عرب
الماء والصحراء يقول بان الكويت الاكثر ولاء لواشنطن، وشعبها الاكثر
تنكراً للعروبة والاكثر رفاهية، ونعومة، وغراماً، بالمارينز الامريكي.
حادث الهجوم علي القوات الامريكية وتداعياته المباشرة وغير المباشرة،
يؤكد ان العمليات الاستشهادية اجتازت حدود الاراضي العربية المحتلة،
وبدأت تصل الي مناطق لم يكن متوقعاً ان تصل اليها مثل الكويت والمملكة
العربية السعودية، الامر الذي يفسر الجهود الرسمية العربية التي بذلت،
وما زالت تبذل، من اجل تطويقها ومنعها بكل الوسائل المتاحة.
فمن المفارقة، انه بعد ان تحولت مراكز التطرف التقليدية تجاه الولايات
المتحدة الي الاعتدال، مثل مصر وسورية والسودان واليمن، بدأت مراكز
الاعتدال الخليجية التقليدية تتحول الي التطرف، ونحن هنا نتحدث عن
الشعوب وليس الانظمة.
فالشابان الكويتيان اللذان هاجما قوات المارينز في جزيرة فيلكة ينتميان
الي اسر كويتية ميسورة، ومن مواطني الدرجة الاولي، اي لا يعانيان من اي
اضطهاد او تمييز سياسيين، ولا يواجهان اي ضغوط اقتصادية معيشية، وحرصا
علي التأكيد بأنهما اقدما علي هذه العملية الاستشهادية مثلما وصفها
زملاؤهما، انتقاماً من قرار الكونغرس الامريكي المؤيد لجعل القدس
المحتلة عاصمة ابدية للدولة العبرية.
الادارة الامريكية التي تقرع طبول الحرب حاليا ضد العراق لا يمكن ان
تفهم مشاعر هؤلاء، وحجم الغضب الكبير داخلهما، والآلاف مثلهما في
الكويت، وباقي انحاء الخليج والجزيرة العربية، الناجم عن السياسات
الامريكية الاستفزازية في المنطقة.
ہ ہ ہ
انها صحوة اسلامية عربية في مواجهة عمليات اهانة واذلال لكل العرب
والمسلمين، تنطلق من الكويت والجزيرة العربية، وتأخذ اكشالا دموية غير
مسبوقة، وتؤشر لما يمكن ان يكون عليه الحال في المنطقة اذا ما تعرض
العراق لهجوم امريكي.
وليس صدفة ان يتزامن الهجوم علي جنود البحرية الامريكية في الكويت، مع
هجوم آخر علي ناقلة نفط فرنسية قبالة شواطيء المكلا اليمنية. فقد طفح
كيل بعض الشباب العربي، وبات يقول لا لهذه الاهانات الامريكية ـ
الاسرائيلية بطريقة يعتبرها الغرب ارهاباً، ويري الكثيرون في العالم
الاسلامي بانها جهاد مشروع في مواجهة قوة عالمية ظالمة ومتغطرسة.
الكونغرس الامريكي يشرع الاغتصاب الاسرائيلي للقدس المحتلة، وادارة
الرئيس بوش تضع دولاً عديدة في المنطقة من بينها مصر والمملكة العربية
السعودية علي لائحة الاضطهاد الديني، ولم نسمع ان ايا من الدولتين
استدعت السفير الامريكي فيها لتقديم احتجاج، كما لم نشاهد مظاهرة واحدة
للتنديد بهذين القرارين المجحفين.
امريكا هي التي تمارس الاضطهاد الديني عندما تعتقل اكثر من عشرة الاف
مسلم فيها، معظمهم يحملون الجنسية الامريكية وتشكك في مواطنيتهم
وتعرضهم لابشع انواع الاضطهاد والتحقيق، ومع ذلك تصمت الحكومات العربية
والاسلامية وتبلع هذه الاهانة.
الانظمة قبل الشعوب، تصطف حالياً في طابور القصاص الامريكي، وصرخة
الاحتجاج الوحيدة تأتي من شابين كويتيين ابت عليهما كرامتهما ان يشاهدا
مجازر شارون في الارض المحتلة ويصمتا مثلما تصمت عشرات الملايين في
باقي انحاء الوطن العربي، وقررا ان يعبرا عن رفضهما باتباع النهج نفسه
الذي يتبعه اشقاء لهم في الضفة الغربية وقطاع غزة.
فعندما يقول اكثر من اربعة وسبعين في المئة من الكويتيين انهم يعتبرون
الشيخ اسامة بن لادن زعيم القاعدة بطلا ، مثلما جاء في استطلاع لصحيفة
الرأي العام الكويتية نشرته قبل شهر، فان هذه الرسالة ليست موجهة فقط
الي واشنطن، وانما الي كل الانظمة والحكومات العربية الاخري التي
انتهكت كرامة الانسان العربي، وسلبته كل حقوقه، وتقاعست عن واجباتها
الاخلاقية والدينية.
ہ ہ ہ
الرأي العام العربي بدأ يتململ، ولن يكون مفاجئاً بالنسبة الينا اذا
انفجر بركان غضب في حال بدء العدوان علي العراق، لانه عدوان غير مبرر
يواجه بعجز رسمي عربي مخجل ومذل.
الادارة الامريكية يجب ان تدرك بعد هجومي الكويت وعدن، ان حربها ضد
الارهاب محكومة بالفشل لانها غضت الطرف عن الارهاب الحقيقي في فلسطين
المحتلة، واعتقدت ان مهمتها ستكون سهلة، وهو اعتقاد ربما لن يكون خاطئا
فقط بل مكلفا للغاية.
الشعب العراقي لن يكون اقل رفضا للتواجد الامريكي علي ارضه من شقيقه
الكويتي، اذا ما اندلعت شرارة العدوان، وسيقاوم قطعا، فاذا كانت
الاغلبية الساحقة من الكويتيين يرفضون التحرير الامريكي فهل سيقبل
العراقيون عدواناً امريكياً سافراً عليهم بهدف استعمار ارضهم، واحتلال
نفطهم، واستيراد قيادة لهم تهبط عليهم بباراشوت امريكي في قلب بغداد؟
ہ ہ ہ
نتمني ان يعيد الامريكيون حساباتهم قبل فوات الاوان، ويستوعبوا درس
الهجومين في الكويت واليمن، ويتخلوا عن خططهم العدوانية، ويوقــــــفوا
تأييدهم وحمايتـــهم لانظمة عربية قمعية فاسدة بل الاكثر فسادا في
العالم، وليجربوا الانحياز الي الشعوب بعد ان عرفوا الآن اين قادهم
تأييدهم الاعمي للانظمة.
|
|